عمري ما تخيلت إن في يوم، وأنا داخلة على الواحد والستين من عمري، هسمع دقات قلب طفل صغير جوايا من جديد ولا تخيلت إن الحمل اللي كل الناس اعتبروه معجزة من ربنا، هيكون هو نفسه السبب اللي هيكشف عن مرض خطېر كان بيكبر جوا جسمي في صمت من سنين! لكن أغرب حاجة حصلتلي، إن قبل ما أعرف الحقيقة، كنت بحلم كل ليلة ببنتي اللي ماټت من أربع سنين، وكانت بتقولي نفس الجملة اللي لحد النهارده مش قادرة أنساها ماما لازم تلاقيه! وقتها كنت فاكرة إن الحلم مجرد ۏجع فراق، وإن عقلي مش قادر يتقبل إن بنتي الصغيرة مشيت وسابتني لوحدي. لكن بعد اللي حصل، بقيت كل ما أبص لابني الصغير وهو نايم في سريره، أسأل نفسي سؤال واحد يا ترى بنتي كانت بتحاول تقولّي إيه؟ وهل فعلًا الحمل ده كان مجرد معجزة، ولا كان وراه سر أكبر من قدرتي على الفهم؟! الحكاية بدأت قبل ما أحمل بشهور طويلة الجزء الأول الحلم اللي كان بيطاردني كل ليلة اسمي مارجريت، وعشت مع جوزي توماس سنين طويلة، كان فيها الحلو والمر، والضحك والدموع، وأيام حسيت فيها إن الدنيا كلها بتضحك لنا، وأيام تانية تمنيت لو الزمن يرجع بيا دقيقة واحدة بس عشان أغير حاجة حصلت. كان عندنا بنتين، الكبيرة كبرت واتجوزت وبقى ليها بيتها وحياتها، والصغيرة إيميلي كانت روح البيت ونوره. إيميلي كانت عندها خمستاشر سنة لما ماټت. خمستاشر سنة بس! لسه في أول حياتها، ولسه قدامها أحلام كتير، ولسه كانت بتتكلم عن الجامعة اللي نفسها تدخلها، والبلد اللي نفسها تسافرها، والفستان اللي نفسها تلبسه يوم فرحها. كانت بنت مليانة حياة، بتحب الضحك، وبتحب تسأل عن كل حاجة، وعندها فضول يخليها تفتح أي كتاب تلاقيه قدامها. كنت لما أدخل أوضتها ألاقي الكتب مرمية على السرير، والرسومات على المكتب، وصور أصحابها متعلقة على الحيطة. وكانت كل ما تشوفني متضايقة، تيجي تحضني من غير ما تسألني مالك، وتقول لي ماما، إنتِ عارفة إنك أحلى أم في الدنيا؟ كنت أضحك وأقول لها وإنتِ عارفة إنك أكتر بنت بتتعبني في الدنيا؟ فتضحك وتجري تحضني تاني. ما كنتش أعرف إن في يوم، هقف في نفس الأوضة دي، وأبص على سريرها الفاضي، وأتمنى لو أسمع صوتها وهي بتطلب مني أي حاجة، حتى لو كانت حاجة تافهة. في يوم عادي جدًا، إيميلي اشتكت من صداع شديد. في البداية، افتكرت إنه إرهاق من المذاكرة، أو إنها ما أكلتش كويس. قلت لها ترتاح شوية وتشرب مية، لكن الصداع زاد، وبدأت حالتها تتغير، واضطرينا نروح المستشفى. بعد فحوصات كتير، اكتشفنا إن عندها مشكلة خطېرة في المخ ما كانتش متشخصة قبل كده. وفجأة، حياتنا كلها اتقلبت. مستشفيات، وأطباء، وتحاليل، وانتظار قدام أبواب غرف الفحص، ودعاء ما كانش بيخلص. كنت كل ليلة أقعد جنب سريرها، أمسك إيديها وأقول لها هتخفّي يا حبيبتي، وهترجعي بيتك، وهتزعجيني تاني زي الأول. كانت أوقات تفتح عينيها وتبتسم لي، وأنا كنت أعتبر الابتسامة دي وعد منها إنها مش هتسيبني. لكن في النهاية، إيميلي ماټت. واللحظة دي أخدت معاها جزء مني ما رجعش أبدًا. من يومها، البيت بقى هادي زيادة عن اللزوم. أوضتها فضلت زي ما هي، هدومها في الدولاب، كتبها على المكتب، وصورتها الصغيرة جنب السرير. كنت كل يوم أعدّي من قدام الأوضة، وأقول لنفسي إني لازم أدخل أرتبها، لكن رجلي كانت بتقف عند الباب ومش بتقدر تخطّي العتبة. أما توماس، فكان بيحاول يتماسك قدامي. كان يروح شغله، ويرجع، ويسألني أكلت ولا لأ، ويقعد جنبي بالليل. لكن كنت عارفة إنه هو كمان مكسور، حتى لو ما كانش بيعيط قدامي. عدّت شهور، وبعدها سنة، وبعدها أربع سنين. والۏجع ما راحش. اتعلمت أضحك تاني، وأخرج، وأتكلم مع الناس، لكن كان في حتة جوايا فضلت واقفة عند اليوم اللي فقدت فيه بنتي. وبعد أربع سنين من ۏفاتها، بدأت الأحلام. في البداية، كان حلم واحد كل كام يوم. ألاقي نفسي ماشية في ممر طويل وضلمة، وفي آخر الممر أسمع صوت طفل صغير بيعيط. كنت أجري ناحية الصوت، لكن كل ما أقرب، الممر يطول أكتر. وأفضل أدور على الطفل، لحد ما أسمع صوت إيميلي ورايا. ألف بسرعة، فألاقيها واقفة بعيد، بنفس ملامحها اللي فاكرها، وشعرها، وابتسامتها الهادية. كانت تبص لي وتقول ماما لازم تلاقيه! وبعدين تختفي. كنت بصحى مڤزوعة، وقلبي بيدق بسرعة، وأقعد على السرير أحاول أستوعب أنا فين. في البداية، ما قلتش لتوماس حاجة. كنت خاېفة يقلق عليّا، أو يفتكر إني لسه غرقانة في الحزن. لكن لما الأحلام بقت تتكرر كل ليلة تقريبًا، بدأت أخاف أنام. وفي ليلة، صحيت وأنا بعيط، وتوماس صحي على صوتي. قعد جنبي وقال مارجريت، مالك؟ إنتِ بقالك فترة مش طبيعية. كل ليلة تصحي مڤزوعة! حاولت أهدى، وبعدها حكيت له عن الحلم. فضل يسمعني لحد ما خلصت، وبعدين حضڼي وقال يا حبيبتي، إنتِ لسه موجوعة من اللي حصل. مفيش حاجة غريبة في إنك تحلمي بإيميلي. إحنا الاتنين وحشانا. هزيت راسي، لكن كان في حاجة مش عارفة أشرحها. الحلم ما كانش مجرد إيميلي بتظهر لي. كانت بتطلب مني أدور على حد. طفل. طفل أنا مش عارفة هو مين، ولا فين، ولا ليه بنتي بتقول لي إني لازم ألاقيه. وبعد كام أسبوع من الأحلام دي، بدأت فكرة غريبة تكبر جوايا. فكرة كنت بخاف أقولها حتى لنفسي. أنا عايزة طفل تاني. الجزء التاني لما قلت لجوزي إني عايزة أبقى أم من جديد في البداية، حاولت أطرد الفكرة من دماغي. قلت لنفسي إن عمري واحد وستين سنة، وإن المرحلة دي من حياتي انتهت. أنا ست عندها بيت، وأحفاد من بنتي الكبيرة، وحياة مستقرة، والمفروض أكون اتعودت على فكرة إن أيام الحمل والولادة بقت من الماضي. لكن كل ما أحاول أنسى الفكرة، كانت ترجع أقوى. كنت أشوف طفل صغير في الشارع، فأفضل باصة عليه. أسمع بكاء رضيع في مكان عام، فأحس بشيء غريب جوايا. وأدخل أوضة إيميلي، فألاقي نفسي بتخيل سرير طفل صغير في الركن الفاضي. لحد ما في يوم، وأنا قاعدة مع توماس على العشا، قررت أتكلم. بصيت له وقلت توماس، أنا عايزة أخلف طفل تاني. الشوكة وقفت في إيده. رفع عينيه وبصلي، وكأنه مستني يسمع بقية الكلام، أو مستني أضحك وأقول له إني بهزر. لكني ما ضحكتش. قال بعد لحظات إنتِ بتتكلمي بجد؟ قلت له أيوه. حط الشوكة على الطبق، وسند ضهره للكرسي. مارجريت، إنتِ عندك ستين سنة، وأنا عندي سبعة وستين. إحنا مش صغيرين، والحمل في السن ده ممكن يكون خطړ جدًا. كنت متوقعة اعتراضه، لكن لما سمعت كلامه، حسيت إني لازم أوضح له اللي جوايا. قلت أنا عارفة إن الموضوع صعب، وعارفة إننا لازم نسمع كلام الدكاترة. أنا مش بقول لك نعمل حاجة من غير ما نفكر. أنا بس عايزة نعرف إذا كان في أمل ولا لأ. فضل ساكت شوية، وبعدين سألني السؤال اللي كنت خاېفة منه هل ده بسبب إيميلي؟ هل إنتِ عايزة طفل تاني عشان تعوضي غيابها؟ حسيت بدموعي بتتجمع في عيني. قلت له مفيش طفل يقدر يعوض إيميلي يا توماس. بنتي ليها مكان عمره ما هيتاخد. أنا مش عايزة أنساها، ولا عايزة أهرب من ۏجعي. أنا بس حاسة إن قلبي، رغم كل اللي حصل، لسه عنده حب يقدر يديه لطفل تاني. مديت إيدي ومسكته من إيده. أنا عشت أربع سنين بحاول أتعلم إزاي أكمل من غيرها. ويمكن مش هقدر أنسى أبدًا، لكن نفسي أحاول أعيش من جديد. توماس فضل باصص لي فترة طويلة. وبعدين مسك إيدي بإيديه الاتنين وقال لو ده فعلًا اللي إنتِ عايزاه، هنروح لدكتور متخصص، وهنعرف الحقيقة. لكن أوعديني إنك مش هتخاطري بحياتك من غير ما نفهم كل حاجة. وعدته. ومن هنا بدأت الرحلة. رحنا لأكتر من عيادة، لكن الرد كان غالبًا واحد. السن كبير جدًا، والمخاطر محتاجة تقييم دقيق، ومحدش يقدر يوعدنا بأي نتيجة. في كل مرة كنا نخرج من عيادة، كنت أحاول أتماسك. لكن في العربية، كنت أبص من الشباك وأفكر هل أنا بطلب المستحيل؟ وهل المفروض أقبل إن الفرصة دي انتهت؟ توماس كان يلاحظ سكوتي، فيمد إيده ويمسك إيدي من غير ما يتكلم. لحد ما قابلنا طبيب متخصص وافق إنه يدرس حالتي الصحية بالتفصيل قبل ما يقول لنا إذا كان ينفع نفكر في الحمل أصلًا. بدأت الفحوصات. تحاليل ډم، وفحوصات للقلب والكلى والرئة، وتقييم للهرمونات، وفحوصات تانية حسب ما شاف الطبيب مناسب. كل ما كنت أدخل معمل أو أقعد في غرفة انتظار، كنت أدعي ربنا يكتب لي الخير. وبعد فترة، ظهرت النتائج الأولية، وكانت أفضل من اللي توقعناه في جوانب كتير. لكن الطبيب كان واضح معانا. قال إن الحمل في العمر ده شديد الخطۏرة، وإن أي قرار لازم يكون مبني على تقييم طبي متخصص ومتابعة دقيقة، وإن وجود نتائج مطمئنة مش معناه إن المخاطر اختفت. خرجنا من عنده وإحنا مش عارفين نفرح ولا نخاف. ومرت شهور من المتابعة والتقييمات. وبعدين، في يوم، وأنا في المطبخ بحضر الفطار، رن التليفون. رديت، وسمعت صوت الطبيب بيطلب مني أحضر للعيادة. قلبي اتقبض. سألته في حاجة ظهرت في التحاليل؟ قال محتاجين نتكلم في النتائج مع بعض. قفلت التليفون، وإيدي كانت بتترعش. لما توماس رجع، حكيت له، وفي اليوم المحدد رحنا سوا. قعدنا قدام الطبيب، وكنت حاسة إني مش قادرة أبص في عينيه. فتح الملف، وراجع النتائج مرة أخيرة، وبعدها رفع رأسه وقال مدام مارجريت، عندنا خبر محتاجين نتكلم عنه بهدوء. مسكت إيد توماس بقوة. وبعد لحظات، قال الطبيب الكلمات اللي كنت فاكرة إني مش هسمعها طول عمري نتيجة اختبار الحمل إيجابية. ما فهمتش الجملة في أول ثانية. بصيت له وقلت يعني إيه؟ ابتسم ابتسامة هادية وقال يعني إنك حامل. حطيت إيدي على بقي، ودموعي نزلت من غير ما أحس. توماس فضل باصص للطبيب، وبعدها بصلي، وبدأ يعيط هو كمان. كنت حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه. أنا حامل! بعد كل السنين دي، وبعد ما كنت مقتنعة إن باب الأمومة اتقفل، في طفل جديد بيبدأ رحلته جوايا. لكن الفرحة كان معاها خوف كبير. الطبيب أكد لنا إن الحمل محتاج متابعة متخصصة، وإن لازم نكون مستعدين لاحتمالات صعبة، وإن سلامتي وسلامة الجنين لازم يفضلوا الأولوية في كل خطوة. رجعنا البيت، وقعدت طول الليل أبص في سقف الأوضة. كنت مبسوطة، لكن كنت مړعوپة. هل هقدر أكمل الحمل؟ هل طفلي هيكون بخير؟ وهل جسمي هيقدر يستحمل كل ده؟ وبين كل سؤال والتاني، كانت جملة إيميلي بترجع في دماغي ماما لازم تلاقيه! لأول مرة، بدأت أفكر إن الطفل اللي كنت بدور عليه في أحلامي ممكن يكون هو ابني اللي لسه ما شفتش وشه. لكن ما كنتش أعرف إن في سر تاني، سر ملوش علاقة بالأحلام، هيظهر في وقت ما كنتش أتوقعه أبدًا. الجزء التالت أربعة وعشرين أسبوع من الخۏف والأمل مرت الأسابيع الأولى ببطء شديد. كل موعد عند الطبيب كان بالنسبة لي اختبار جديد. كنت أقعد في غرفة الانتظار، وأبص للستات اللي حواليّا، وأفكر إن معظمهم في سن أصغر من بناتي. كنت أسمع واحدة بتتكلم عن تجهيز أوضة البيبي، والتانية بتختار اسم، والتالتة بتشتكي من السهر. وأقول لنفسي إن تجربتي مختلفة عنهم في كل حاجة. أنا مش بس بخاف على طفل لسه ما شفتوش، أنا كمان خاېفة من فكرة إني أعيش فقدان جديد. بعد اللي حصل لإيميلي، بقيت بخاف من الأمراض اللي ما بتظهرش أعراضها، ومن الأخبار اللي بتيجي فجأة وتقلب الحياة في ثانية. كنت كل ما أحس بۏجع بسيط، أتصل بالعيادة وأسأل إذا كان طبيعيًا. وتوماس كان بيحاول يطمني، ويقول لي إننا هنتعامل مع كل خطوة وقت ما تيجي. لما وصلنا للأسبوع الثاني عشر، وسمعنا دقات قلب الجنين، عيطت. ولما عدينا الأسبوع السادس عشر، بدأت أسمح لنفسي أصدق إن في أمل. وبحلول الأسبوع العشرين، عرفنا إننا مستنيين ولد. توماس كان مبسوط بطريقة ما شفتهاش فيه من سنين. بدأ يدور على أسماء، ويقترح أسماء غريبة، وكل ما أرفض اسم، يقول لي إنه مناسب جدًا. وفي الآخر، استقرينا على اسم ليام. كنت كل ليلة قبل النوم أحط إيدي على بطني وأتكلم معاه. أقول له يا ليام، أنا مش عارفة هقدر أكون أمك إزاي في السن ده، بس أوعدك إني هحبك بكل قلبي. وبعدها أبص لصورة إيميلي اللي على الكومود، وأقول يا بنتي، نفسي لو كنتِ هنا تشوفي أخوكي. لما وصل الحمل للأسبوع الرابع والعشرين، بدأنا نتكلم بجدية عن تجهيزات الطفل، لكننا كنا حريصين إن كل خطوة تتم حسب نصيحة الأطباء. وفي يوم من الأيام، كان عندي موعد متابعة عادي. توماس أصر ييجي معايا، رغم إني قلت له إنه مش محتاج يسيب شغله عشاني. قال أنا وعدتك إننا هنخوض الرحلة دي سوا. مش هسيبك في نص الطريق. وصلنا المستشفى، ودخلنا غرفة السونار. الفنية ابتسمت لنا، وطلبت مني أستلقي على السرير. بدأت الفحص، وظهرت صورة ليام على الشاشة. قالت أهو ابنك الصغير. بصّي، بيتحرك! ضحكت، وتوماس قرب من الشاشة وقال ده شكله مش هيهدى أبدًا! كانت لحظة جميلة جدًا. لكن بعد ثوانٍ، لاحظت إن الفنية سكتت. ابتسامتها اختفت، وبدأت تحرك جهاز السونار في اتجاهات مختلفة. فضلت مركزة على الشاشة، وبعدها رجعت بصت للصورة مرة تانية. سألتها في إيه؟ ليه سكتي؟ ردت بسرعة البيبي شكله كويس. لكنها ما كانتش بتبص على البيبي. كانت مركزة في ناحية تانية من الصورة. حاولت أسألها مرة تانية، لكنها قالت إنها هتجيب الدكتور، وخرجت من الغرفة. توماس مسك إيدي وقال اهدي يا حبيبتي، أكيد الدكتور هيطمننا. لكن قلبي كان بيقول لي إن في حاجة مش طبيعية. بعد دقايق، دخل الطبيب ومعاه ملف. بص على الشاشة، وبعدها راجع الصور، ثم بصلي. قال الجنين شكله كويس. تنفست براحة، لكني لاحظت إنه لسه متوتر. وفجأة، لف ناحية توماس وقال ممكن تستناني بره الأوضة لدقايق؟ محتاج أتكلم مع مراتك لوحدها. حسيت بقلبي بيخبط في صدري. قلت بسرعة ليه؟ هو في حاجة؟ لو الموضوع يخص صحتي أو صحة ابني، أنا عايزة جوزي يفضل معايا. الطبيب ما جادلنيش. سحب كرسي وقعد جنبي، وبعدها أشار لطرف صورة السونار. كان في شكل غامق ناحية من الصورة. سألته بصوت مرتعش إيه ده يا دكتور؟ قال بهدوء الفحص أظهر حاجة بالقرب من الكُلية اليمنى. دي مش حاجة كنا بندور عليها أساسًا، ومحتاجين نعمل فحوصات إضافية عشان نعرف طبيعتها. حسيت إن الډم انسحب من وشي. قلت يعني إيه؟ تقصد ورم؟! رد بحذر ما نقدرش نحكم من الصورة دي وحدها. لازم فحوصات تانية وتقييم من المتخصصين. كنت سامعة كلامه، لكن عقلي رجع في ثانية لأيام إيميلي الأخيرة. افتكرت المستشفى، والأطباء، والخۏف، والانتظار. افتكرت اليوم اللي عرفت فيه إن بنتي عندها مشكلة خطېرة في المخ، بعد ما كانت طول عمرها بنت صحية ونشيطة. وبصيت للطبيب وقلت أنا مش هقدر أعيش نفس الکابوس ده تاني! توماس قرب مني، ومسك إيدي. مارجريت، إحنا لسه ما نعرفش حاجة. خلينا نستنى النتائج. لكن أنا كنت مړعوپة. لأن فكرة إن في حاجة خطېرة ممكن تكون بتكبر جوا جسمي من غير ما أعرف، كانت أكتر حاجة بتخوفني. وبعد أيام من الفحوصات الإضافية والمراجعات الطبية، اتحدد لنا موعد مع الطبيب المتخصص. دخلنا مكتبه، وقعدنا قدامه، وحط مجموعة صور وتقارير على المكتب. بص لنا وقال الصور بتوضح وجود كتلة في الكُلية اليمنى. محتاجين نحدد طبيعتها بدقة، لكن في علامات بتخلينا قلقانين من احتمال إنها تكون خبيثة. حسيت إن الأرض اختفت من تحتي. سألته يعني عندي سړطان؟! قال لسه ما نقدرش نأكد ده من غير استكمال التقييم والفحوصات اللازمة. لكن لازم ناخد الموضوع بجدية، والشيء الإيجابي إننا اكتشفنا الكتلة وبدأنا نتحرك بدل ما نسيبها من غير متابعة. حطيت إيدي على بطني من غير ما أحس. وسألته السؤال الوحيد اللي كان يهمني في اللحظة دي وابني؟ ليام هيكون بخير؟ بص في التقارير، وبعدها قال الفحوصات الحالية مطمئنة بالنسبة للجنين، لكن لازم ننسق بين فريق متابعة الحمل والمتخصصين في الكُلى، عشان نحافظ على سلامتك وسلامته قدر الإمكان. ما كنتش عارفة أعيط على نفسي، ولا أخاف على ابني، ولا أرجع أعيش ۏجع فقدان بنتي من جديد. كل اللي كنت بفكر فيه إن في حاجة ممكن تكون موجودة جوا جسمي من سنين، وأنا ما كنتش أعرف عنها أي حاجة. وفجأة، افتكرت سؤالًا مهمًا. بصيت للطبيب وقلت لو ما كنتش حملت، كنتوا هتكتشفوا الكتلة دي إمتى؟ سكت لحظة، وبعدها قال ما نقدرش نحدد. ممكن كانت تظهر في فحص تاني لأي سبب، وممكن كانت تفضل غير مكتشفة فترة أطول. لكن الأهم دلوقتي إننا عرفنا بوجودها، ولازم نكمل التقييم والعلاج المناسب. توماس بصلي، وأنا بصيت له. ما حدش فينا اتكلم. كنت فاكرة إن أكبر خطړ في الحمل هو سني، وإن كل خۏفي لازم يكون على الجنين. لكن دلوقتي، بقيت أنا كمان محتاجة أواجه احتمال مرض خطېر، وأنا لسه في نص رحلة الحمل. والأصعب من كل ده، إني كنت لازم أكون قوية، حتى وأنا من جوايا بترتعش. الجزء الرابع هل هقدر أشوف ابني؟ الشهور اللي بعدها كانت أصعب شهور في حياتي. مواعيد متكررة، ومراجعات، وفحوصات، وكلام طبي كتير كنت بحاول أفهمه وأنا خاېفة. كان لازم كل قرار يتاخد بالتنسيق بين الأطباء المسؤولين عن الحمل والمتخصصين في الكُلى، لأن سلامتي وسلامة ليام كانوا مرتبطين بخطة متابعة دقيقة. في بعض الأيام، كنت أخرج من المستشفى وأحس إن الدنيا رجعت طبيعية. وفي أيام تانية، كنت أرجع البيت وأدخل أوضتي وأعيط بالساعات. كنت أخاف أنام، لأن النوم كان بيرجعني لذكريات إيميلي. كنت خاېفة أعيش نفس النهاية. وفي ليلة، توماس لقاني قاعدة جنب الشباك، ماسكة صورة بنتنا. قعد جنبي وقال بتفكري في إيميلي؟ هزيت راسي. قلت له أنا خاېفة يا توماس. خاېفة ما أشوفش ليام وهو بيكبر. خاېفة ما ألحقش أحضنه، أو أسمعه بيناديني ماما. أنا استنيت كتير عشان أحس إن في حياة جديدة جاية، ودلوقتي مش عارفة إذا كنت هقدر أكمل ولا لأ. توماس حضڼي بقوة، وقال إحنا مش عارفين المستقبل، لكننا هنمشي خطوة بخطوة. مش هسيبك تواجهي ده لوحدك. لأول مرة من شهور، سمحت لنفسي أعيط من غير ما أحاول أكون قوية. وبعدها، بدأت أركز في الحاجات الصغيرة. حركة ليام جوا بطني. صوته في تسجيلات السونار. اختيار هدومه. تجهيز سريره. كل حاجة بسيطة كانت بتديني سبب جديد أتمسك بالأمل. أما الأحلام، فكانت لسه بتيجي أحيانًا، لكني بقيت أصحى وأحاول أهدى نفسي بدل ما أعيش في خوف طول الليل. كنت عارفة إن الأحلام مش دليل طبي، وإن اللي بيحصل في جسمي لازم يتفهم بالفحوصات والمتابعة، لكن ظهور إيميلي فيها كان بيديني إحساس غريب بالقرب منها. كأن ذكراها بقت جزء من الرحلة اللي بمر بيها. ومع مرور الوقت، الأطباء قدروا يحددوا الخطوات المناسبة للتعامل مع الكتلة، مع مراعاة الحمل قدر الإمكان. كانت كل خطوة محتاجة حسابات دقيقة، ومفيش حد يقدر يضمن لنا النتيجة النهائية. لكننا كملنا. لحد ما وصلت للأسبوع السابع والثلاثين. في الفترة دي، قرر الفريق الطبي إن الوقت جه للولادة، بعد تقييم حالتي وحالة الجنين. دخلت المستشفى وأنا حاسة بمزيج غريب من الخۏف والفرحة. كنت عارفة إن اللحظة اللي استنيتها شهور قربت، لكني كنت خاېفة من أي مفاجأة. توماس كان جنبي، ماسك إيدي، وبيحاول يخليني أركز في كلام الأطباء. مرت الساعات ببطء، وبعدها بدأت الأحداث تتسارع. وفجأة، سمعت صوت بكاء طفل. صوت صغير، لكنه بالنسبة لي كان أعلى من أي صوت سمعته في حياتي. بصيت ناحية الممرضة، ولقيتها بتقرب مني وهي شايلة طفل صغير. قالت بابتسامة مبروك يا ماما، ابنك وصل! حطته على صدري. بصيت لوشه الصغير، وعينيه المقفولين، وإيديه اللي بتتحرك في الهوا. ما قدرتش أتكلم. كل اللي عملته إني لمسته برفق، وبدأت أعيط. همست له أهلًا يا ليام أنا ماما. توماس كان واقف جنبي ودموعه بتنزل. كان فاكر إني بعيط عشان ابني وصل أخيرًا بعد كل الخۏف ده. لكن الحقيقة إني كنت بفكر في إيميلي. كنت بتخيلها وهي بتضحك، وبتجري في البيت، وبتسألني عن أخوها الصغير. افتكرت الحلم اللي كان بيتكرر كل ليلة. الممر الضلمة. صوت الطفل. وصوت بنتي وهي بتقول ماما لازم تلاقيه! بصيت لليام، وحسيت إن قلبي أخيرًا قدر يجمع بين وجعين مختلفين. ۏجع بنت فقدتها، وفرحة طفل لسه بدأ حياته. كنت عارفة إن ليام مش بديل عن إيميلي، وإنه مش مطلوب منه يعوض أي حاجة. هو طفل مستقل، ليه حياته وشخصيته ومستقبله. لكن وجوده رجع لبيتنا صوت الحياة من جديد. الجزء الخامس الحقيقة اللي فهمتها بعد الولادة بعد الولادة، بدأت مرحلة جديدة من المتابعة والعلاج. الأطباء استكملوا تقييم الكتلة الموجودة في الكُلية، وبعدها وضعوا خطة العلاج المناسبة لحالتي. كانت فترة صعبة، لكن مع الوقت، وبعد استكمال الفحوصات والعلاج اللي حدده الفريق الطبي، بدأت النتائج تتحسن. وفي أحد مواعيد المتابعة بعد شهور، دخلت على الطبيب وأنا شايلة ليام في حضڼي. راجع التقارير، وبص على النتائج، وبعدها ابتسم وقال النتائج مطمئنة جدًا، وإحنا شايفين تحسن كويس بعد العلاج. حسيت إن حملًا كبيرًا اتشال من على صدري. سألته يعني أنا بقيت بخير؟ قال النتائج الحالية مبشرة، لكن لازم تكملي المتابعة الدورية عشان نفضل مطمئنين. هزيت راسي، وشكرته من قلبي. وأنا خارجة من المستشفى، فضلت أفكر في كل اللي حصل. لو ما كنتش بدأت رحلة الحمل، هل كنت هكتشف الكتلة في الوقت ده؟ ما كانش عندي إجابة مؤكدة. وحتى الطبيب ما قدرش يجزم إذا كانت هتتكتشف في وقت تاني، أو إيه اللي كان ممكن يحصل لو ما ظهرتش في الفحص. لكن الحقيقة اللي ما حدش يقدر ينكرها، إن الفحص كشف حاجة مهمة، وخلانا نتحرك ونتعامل معاها بدل ما تفضل مجهولة. وفي الليلة دي، رجعت البيت، ودخلت أوضة ليام. كان نايم في سريره الصغير، ووشه هادي، وإيده مقفولة حوالين طرف البطانية. وقفت أتأمله فترة طويلة. توماس دخل ووقف جنبي. قال عارفة إيه أغرب حاجة في كل اللي حصل؟ بصيت له وسألته إيه؟ قال إنك من يوم ما ليام اتولد، ما حكيتيليش عن الأحلام تاني. سكت شوية. وبعدين أدركت إنه عنده حق. من يوم الولادة، ما حلمتش بالممر الضلمة، ولا سمعت صوت إيميلي بيناديني. فضلت أفكر في الموضوع، لكني ما وصلتْش لإجابة مؤكدة. هل كانت الأحلام مجرد انعكاس لحزني وخۏفي ورغبتي في الأمومة؟ هل عقلي كان بيحاول يساعدني أتجاوز الفقد وأتطلع للمستقبل؟ ما كنتش أعرف. لكنّي كنت عارفة إن معنى الحلم اتغير جوايا. في الأول، كنت فاكرة إن إيميلي بتطلب مني ألاقي طفلًا ضايعًا في مكان مجهول. وبعد ما حملت، افتكرت إن المقصود هو ليام وحده. لكن بعد كل اللي حصل، بقيت أشوف الموضوع بطريقة مختلفة. يمكن الحلم كان تعبيرًا عن رغبتي في بداية جديدة، وعن احتياجي ألاقي طريق أرجع بيه للحياة بعد سنوات من الحزن. والأهم، إن رحلة الحمل نفسها خلتني أكتشف مشكلة صحية ما كنتش أعرف عنها حاجة. مش معنى ده إن الحمل كان علاجًا، ولا إن كل حاجة حصلت كانت مكتوبة لسبب نقدر نفهمه، لكن اللي حصل غيّر حياتي بطريقة ما كنتش أتخيلها. مديت إيدي جوه السرير، ولمست كف ليام الصغير. فتح صوابعه، ومسك صباعي بقوة. ابتسمت، ودموعي نزلت بهدوء. همست له إنت مش جاي تاخد مكان حد يا حبيبي. إنت جيت عشان تبدأ حكايتك إنت، وأنا هفضل أحكيلك عن أختك اللي كانت بتحب الضحك، وبتحب الحياة، وكانت هتفرح بيك جدًا. في اللحظة دي، ما حسيتش إن الحزن اختفى. ولا حسيت إن وجود ليام عوّضني عن إيميلي. لكن لأول مرة من أربع سنين، قدرت أفتكر بنتي من غير ما أحس إن الذكرى هتكسرني. افتكرت ضحكتها، وصوتها، وطريقتها وهي بتناديني. وحسيت إن الحب اللي جوايا ليها لسه موجود، وإنه يقدر يعيش جنبي وأنا بحب ابني كمان. يمكن دي كانت أهم حاجة اتعلمتها من الرحلة كلها. إن الحياة مش دايمًا بترجع لنا اللي فقدناه، ومش كل سؤال بنلاقي له إجابة. لكن أحيانًا، وسط الخۏف والحزن، بتظهر لنا فرصة نبدأ من جديد، ونكتشف حاجات ما كناش واخدين بالنا منها. أنا النهارده عندي واحد وستين سنة، وأم لطفل صغير اسمه ليام، ولسه بكمل متابعتي الطبية، ولسه كل يوم بتعلم إزاي أعيش من غير ما أخاف من بكرة طول الوقت. وبقيت كل ليلة، قبل ما أنام، أبص على صورة إيميلي، وبعدها أبوس رأس ليام وهو نايم. وأقول لنفسي إن بنتي الأولى هتفضل جزء من قلبي طول العمر، وإن ابني الصغير له مكانه الخاص اللي محدش يقدر ياخده. لأن أحيانًا، أكبر معجزة مش إننا نرجع للحياة اللي كنا عايشينها قبل الفقد لكن إننا نقدر نلاقي في قلبنا مساحة نعيش من جديد، من غير ما ننسى الناس اللي حبيناهم. وده اللي حصل معايا. بعد أربع سنين من الحزن، وخوف طويل على حياتي وحياة ابني، اكتشفت إن لسه قدامي أيام أقدر أعيشها، وذكريات جديدة أقدر أصنعها، وطفل صغير محتاجني أكون موجودة عشانه. وأكتر حاجة بقيت مؤمنة بيها، إن الحب مش بيختفي لما نفقد حد، وإن بداية جديدة مش معناها إننا نسينا الماضي. إيميلي هتفضل بنتي اللي فقدتها، وليام هيفضل ابني اللي استنيته وأنا هفضل أم الاتنين، مهما اختلفت الحكاية.