كنت عايز اتجوز

نزلت زي المجنون أدور على أمي في كل مكان ممكن تخطر على بالها.. سألت الجيران القدامى، دورت في المستشفيات، فضلت ماشي في الشوارع زي التائه، لحد ما في يوم، وبعد سنة كاملة من العذاب، وأنا ماشي صدفة جنب حضانة أطفال في منطقة شعبية، سمعت صوت ضحكة طفل بيفكرني بريحة البيت القديم.

رفعت عيني.. لقيت يافطة الحضانة، ولقيت على الباب مريم..

مريم كانت بتبتسم وهي بتسلم طفل لأمه.. كانت أبسط بكتير، بس وشها منور، فيه سك/ينة وسلام داخلي مكنش موجود نهائي وهي في بيتنا.

قلبي دق بجنون، وقفت مش بعيد وعيني دمعت.. لقيتها بصت وشافتني.

ابتسامتها اختفت لثواني، ونظرة الخذلان رجعت في عيونها، بس المرة دي كان فيها إشاعة تسامح أو يمكن شفقة على الحالة الصعبة اللي وصلت لها.. وقفت مكانها من غير ما تقرب، وأنا قربت بخطوات بتترعش، نزلت على ركبي قدامها، وبصيت في الأرض وقلت بصوت مكسور:

* “سامحيني.. أنا جيت أدفع ثمن غبائي وغدري.. أمي.. أمي عاملة إيه؟ والنبي طمنيني عليها.. مش عايز أخدها منك، بس عايز أشوفها وأبوس إيدها قبل ما أموت من الندم.”

مريم بصتلي طويلًا، وفي عيونها لمعت دمعة نزلت على خدها بهدوء، وقالت بصوت دافي هز روحي:

* “أمك.. أمك يا سيدي دعت عليك كتير، بس في كل صلاة كانت بتدعي ربنا يهديك وينور بصيرتك.. أمك عايشة معايا، وفي حضني، وبخير الحمد لله.. بس عشان تقابلك، هى اللي تقرر.. تعالى معايا.”

مشيت وراها وأنا حاسس إني برجع للحياة من جديد، بدموع وندم عمره ما هيتنسي، وعرفت ساعتها إن العوض بيبدأ من ساعة الصدق، وإن حقوق الناس والقلوب الطيبة مابتضيعش عند ربنا أبداً.

مشيت ورا مريم وخطواتي بتجر بعضها بالعافية، لحد ما وصلنا لبيت هادي في منطقة بسيطة.. أول ما الباب اتفتح، شفت أمي قاعدة على كرسي مريح، وشها كان أهدى بكتير من آخر مرة، بس العجز والسن بانوا عليها أكتر.

أول ما عيني جت في عينها، رميت نفسي تحت رجليها وفضلت أعيط وأبوس إيدها وراسها:

“سامحيني يا أمي.. أبوس رجلك اغفريلي، أنا ادمرت وخسرت كل حاجة.. زهرة سابتني أول ما الفلوس راحت والشغل ضاع، وعرفت إن ذنبكم هو اللي عمل فيا كده!”

أمي سكتت ودموعها نزلت، وبصوت هادي وحنين طبطبت على كتفي وقالت:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *