في حد بياخد اكل من التلاجه

زقت الباب الصاج بكتفها عشان تدخّل شوية نور من الشارع.— “محبوسين من مين يا بني؟ وأهلكوا فين؟”
الولد الكبير مسك إيد أخته الصغيرة اللي كانت ماسكة في جلابيته بترتعش، وقال بصوت متقطع:
— “جوز أمي.. كان بياخدنا يشغلنا في الإشارات، ولما يرجع يضربنا وبياخد فلوسنا..

ولما عمي مات، حبسنا هنا وكان بياخد أختنا الصغيرة يبعتها لشحاتة ثانية.. يوسف شافنا بالصدفة من شهرين وأنا بحاول أكسر القفل عشان أجيب ماية.. ومن ساعتها وهو بيجيب لنا الأكل من عندكم وبيجيب لنا العيش الناشف عشان يفضل معانا أطول وقت ممكن وما يعفنش.

”
فاطمة بصت ليوسف، الصدمة اتتحولت لذهول خالص. يوسف نقّل عينيه لستّه وهو بيترجى بصوته المكسور:
— “والله يا تيتة ما كنت بقلل أدبي ولا بأسرق.. بس الولد الصغير كان بيموت من الجوع، وأنا لو كنت قلت لبابا كان هيبلغ الشرطة أو يطردهم وأنا خفت جوز أمهم يلاقيهم وياخدهم تاني.

. العيش الناشف كنت بحطه في الماية عشان الصغير يعرف يمضغه..”
فاطمة قربت من يوسف بخطوات سريعة، ودموعها نزلت على خدها، مسكت وشه بإيديها الاتنين وبساته في دماغه جامد:
— “يا قلب تيتة.. يا كبدي يا بني.. بقالك شهرين شايل الهم ده لوحدك ومستحمل الكلام والإهانة عشان تحمي عيال مش أهلك؟

”
يوسف اترسخ في حضنها وهو بيعيط بحرقة:
— “كنت خايف تقولي عليا حرامي يا تيتة.. بس هم ملهمش حد غيري.”
فاطمة مسحت دموعها بسرعة، وهزت رأسها بصرامة وقوة رجّعت فيها روح الست الجدعة بتاعة زمان. بصت للأطفال التلاتة اللي كانوا باصين لها برعب متوقعين إنها تطردهم أو تصرخ.

وطت فاطمة على الشنط اللي مع يوسف، فتحت العلبة وطلعت منها أطراف الفرخة وطبق الكفتة، وقدمته للولد الكبير:
— “سموا الله وكلوا يا بني.. سموا الله.”
العيال هجموا على الأكل بلهفة تقطع القلب، والصغير قعد يمص في صباع الكفتة وعينيه مقفولة من التعب.

فاطمة وقفت ونفضت جلابيتها، وبصت ليوسف بصة حد حاسم:
— “افتح الشنطة دي وشيل العيال دول يا يوسف.. هنطلعهم من هنا حالا.”
يوسف اتفاجئ:
— “هنوديهم فين يا تيتة؟ بابا لو شافهم…”
فاطمة قاطعته بنبرة ما تقبلش المناقشة، وعينيها فيها شرار حقيقي:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *