في حد بياخد اكل من التلاجه
— “أبوك ده يسكت خالص وميسمعنيش صوته! الشقة دي شقتي وشقة أبوه الله يرحمه قبل ما تكون شقته.. والبيت اللي ميتفتحش لغلابة زي دول يبقوا أصحابه مش بني أدمين. شيل الصغير في إيدك، وأنا هاخد البت والكبير.. يلا قوام قبل ما حد يلمحنا.”
مشيت فاطمة قدامهم في الشارع بكل ثقة وهي لفّة ملايتها، والعيال ماشيين وراها زايغين وعينيهم مش مصدقة النور ولا الأمان. دخلت بيه الشمارع وشبرا كلها بتتفرج، ولما وصلت العمارة، طلعت السلم بخطوات ثقيلة ومصممة.فتحت باب الشقة بالمفتاح، ودخلت العيال الصالة.
مروة مرات أحمد طلعت من المطبخ وهي ماسكة الفوطة، وأول ما شافت المنظر، صرخت وايديها على صدرها:
— “يا ساتر يا رب! إيه ده يا حجة؟! مين الجربانين دول اللي داخلين علينا البيت؟!”
فاطمة حطت إيدها في وسطها، وبصت لمروة بصة خلّت الكلمة تتخنق في حلقها، وقالت بنبرة هادية بس ترعب:
— “الزمي حدودك يا مروة.. دول ضيوفي، والبيت ده بيتي.. وأي كلمة ثانية هتقوليها، هتبقي أنتي اللي برة البيت ده قبل الشمس ما تغرب.”
مروة اتسمرت مكانها، لسانها اتعقد وعينيها راحت لأحمد اللي خرج من أوضته على صوت الزعيق، ماسك قميصه بيلبسه وعلامات التعجب مالية وشه:
— “في إيه يا جماعة؟ صوتكم واصل لآخر الشارع.. إيه العيال دي يا أمي؟! ومين دول أساساً؟!”
فاطمة بصت لابنها بثبات، وشاورات بإيدها على يوسف اللي كان واقف وراها وحامي الطفل الصغير بين إيديه:
— “دول العيال اللي ابنك كان بياخد الأكل عشانهم يا أحمد.
. العيال اللي العيش الناشف بالنسبة لهم كان طوق نجاة من الموت! العيال اللي أنت ومراتك كنتوا فاكرين إن يوسف بيلعب ولا بيسرق، وهو أعقل وأرجل منكم كلكم!”
أحمد بصلها بذهول، وبعدين بص ليوسف:
— “يوسف.. إيه الهبل ده؟ اتكلم! مين دول؟”
يوسف رفع راسه بدموع، بس المرة دي نبرته كانت قوية:
— “دول مش هبل يا بابا.. دول عيال جوز أمهم كان بيضربهم ويحبسهم في الورشة المهجورة عشان يشغلهم في الشارع.
. الصغير ده كان هيموت من الجوع، وأنا لو كنت قلت لك كنت هتقولي مالناش دعوة ومشاكل! أنا كنت بأكلهم من نصيبي ومن الأكل اللي تيتة بتشيله!”
أحمد اتراجع خطوة لورا، الصدمة غطت وشه. مروة بقيت تبص للعيال وهدومهم المقطعة ووشوشهم الصفراء، وملامح القرف اللي كانت على وشها بدأت تتحول لكسفة وخجل.