في حد بياخد اكل من التلاجه
في يوم جمعة، العيلة كلها كانت ملمومة حولين سفرة الأكل في الصالة. أحمد قاعد على رأس الترابيزة، ملامحه هديت عن زمان والرزق بقى فيه بركة باينة في وشه وفي أسلوبه. مروة كانت رايحة جاية بالحلل، بتغرف الأكل وبتهزر مع جنا وكريم كأنها مربياهم من يوم ما اتولدوا، ومفيش أثر للست بتاعة زمان اللي كانت خايفة من الزحمة ومضايقة من الوجود.
فاطمة كانت قاعدة في صدر الصالة، عينها بتلف على الوشوش اللي حولين منها.. شايف النبتة اللي زرعتها وهي بتكبر وتضلل على الكل.
يوسف قرب منها، حط إيده على كتافها وقال بصوت واطي وملاغية:
— “إيه يا تيتة؟ باصة لنا كده ليه؟ لا تكوني شاكة إن حد سرق حاجة من التلاجة تاني؟”
ضحكت فاطمة ضحكتها الصافية اللي بترد الروح، ومسكت إيده طبطبت عليها:
— “لا يا حبيب تيتة.. التلاجة مليانة والمستور مستور بفضل ربنا وعقلك اللي كان أكبر من سنك. أنا بس بفتكر الليلة دي.. وبقول سبحان من يغير ولا يتغير.”
أحمد حط المعلقة من إيده، وبص لأمه بعيون فيها امتنان حقيقي:
— “تعرفي يا أمي.. الليلة دي هي اللي فتحت علينا أبواب الرزق. من يوم ما العيال دول دخلوا بيتنا والخير جالي من وسع، والبركة سكنت المكان. أنا كنت فاكر إن الجدعنة عبء، أثاريها هي السند.”
مروة ابتسمت وهي بتحط طبق السلطة:
— “والله يا أحمد، البيت ده من غيرهم كان ناقصه نص روحه. العيال دول عوضنا عن حاجات كتير.”
كريم رفع راسه، عينيه دمّعت بس مسحها بسرعة، وبص للحجة فاطمة وقال بنبرة طالعة من جواه:
— “أنا لو عشت عمري كله ألحس تراب رجليكي يا حجة فاطمة مش هوفيكي حقك.. أنتي ويوسف أحييتونا من جديد.”
فاطمة هزت رأسها بابتسامة حنونة، وقالت بصوت مفيش فيه غير الدفا والأمان:
— “حقكم عند ربنا يا بني.. وأنتم ولادي زي أحمد ويوسف بالظبط. البيت ده طول ما أنا فيه حية، مفتوح بالستر والمحبة، والأكل اللي فيه للجميع.”
في الليلة دي، وبعد ما الكل نام والهدوء سكن حارة شبرا، قامت فاطمة كعادتها في وسط الليل، مشيت بشويش ناحية المطبخ، فتحت باب التلاجة.. لقيت علبة أكل صغيرة ملفوفة، وجنبها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط يوسف المقرمش:
“سيبت لك نصيبك من الكفتة يا تيتة عشان عارف إنك بتقومي بالليل.”