في حد بياخد اكل من التلاجه

الحجة فاطمة أخدت البنت الصغيرة “جنا” في حضنها، قعدتها على كنبة الصالة، وجابت مشط وقعدت تسلك لها شعرها بشويش وتهدّيها. البنت كانت خايفة في الأول، بس دفا إيد فاطمة وطبطبتها خلوها تحط رأسها على رجل الحجة وتسلم من التعب.

بعد ساعة، الصالة كانت مجتمعة على أكل عمرهم ما شافوه. العيال بياكلوا بلهفة، وأحمد قاعد جنبهم بيناولهم العصير وبيسمع من “كريم” التفاصيل الكاملة.. اسم جوز أمهم، عنوان الورشة القديمة، واللحظة اللي حاول فيها يهرب بأخواته قبل ما يتمسكوا.

أحمد بص لأمه وهو بيفرك إيديه بخجل:
— “أنا أسف يا أمي.. أنا فعلاً كنت بصص تحت رجلي ومستسهل.. الولد ده يطلع أرجل مني، وتربيتك فيه أثمرت صح.”
فاطمة ابتسمت ابتسامة خفيفة، ونظرتها لقت طريقها ليوسف اللي قاعد وسط العيال بيضحك معاهم:

— “الرجولة مش بالسن يا أحمد.. الرجولة بموقف. والواد ده نبتة حلال.. طالع لأبوه الله يرحمه.”

تاني يوم الصبح، فاطمة أخدت أحمد وكريم، وراحت بيه على نيابة شبرا وقدمت بلاغ رسمي بحماية أطفال وبلاغ ضد جوز الأم. خلال أسبوعين، الشرطة قبضت على الراجل، والنيابة سلمت الأطفال حراسة مؤقتة للحجة فاطمة بناءً على طلبها وتقصي الحالة الاجتماعية اللي أثبت إن البيت ده أمانهم الوحيد.

ومع الوقت، الشقة الضيقة بقت واسعة بالبركة. مروة نفسها اتغيرت، وبقت تتعامل مع العيال كأنهم من دمها، وأحمد ربنا فتحها عليه في شغله وقدر يتصرف ويوسع عيشته من غير ما يتخلى عن حد.
وفي ليلة من الليالي، فاطمة قامت الساعة اتنين بعد نص الليل، راحت ناحية المطبخ بالراحة.

فتحت باب التلاجة، ولقيت طبق الكفتة ناقص صباعين..
ابتسمت، حطت إيدها على الباب، وبصت ناحية أكرة الباب وهي بتقول بصوت واطي ومتروس حنية:
— “تلاقيك جعت يا يوسف.. بس المرة دي، الأكل في أمان، وأنت كمان في أمان يا بني.”

مرت السنين بسرعة، والشقة القديمة في شبرا اللي كانت أربع حيطان مخنوقين بالهم والزحمة، بقت مليانة روح وحياة. العيال كبروا، كريم دخل المدرسة الثانوية الفنية وبقى أشطر واحد في ورشة كهرباء جنب البيت، وجنا بقت في أولى إعدادي وضحكتها مالية الشقة، والصغير مصطفى بقى مبيتفارقش عن يوسف، كأنه ضله اللي بيمشي وراه في كل مكان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *