حماتي عملت سبوع
في ساعة الهدوء قبل بدء العمل المسائي. دخلت سحر وعيناها للأرض، مش عايزة ترفع راسها ليا. جلست قدامي بصمت، وبعد دقائق طويلة همست بصوت بالكاد أسمعه
كنت فاكرة إن العيلة تعني إنكم تتحملوا أخطائي.. ما كنتش أعرف إن العيلة تعني إن ما أخطأش في حقكم من الأساس.
رفعت راسها أخيراً، وعيناها مليئة بالدموع والندم الحقيقي
الخمسين ألف جنيه دفعتها من فلوس استدنتها.. وأنا دلوقتي بدفع أقساطها كل شهر وأنا أتعلم درس قاسې جداً. كل ما أدفع قرش، أتذكر كلامك ده تمن احترام. كنت فاكرة إنك بتبخلي عليّ.. اكتشفت إنك كنتِ بتعلميني قيمة ما أملك وقيمة ما يملكه غيري.
ما قلتلهاش أنا قلتلك. ما فايدة الكلام في وقت الحقيقة؟ قلت لها بهدوء
الباب مفتوح دائماً يا سحر. بس من غير استثناءات هنا مكان عمل، لما تجي تيجي كزبونة محترمة تحترم قواعدي وزبايني. هنا في المطعم، أنا صاحبة المكان. وهناك في بيتنا، أنتِ أخت حاتم. وكل مكان له حدوده. هل نتفق؟
هزت راسها موافقة بدموع الفرح والندم المختلطة
نتفق.. والله نتفق.
الجزء الخامس
مر عام كامل على تلك اللحظة. لم يكن عاماً سهلاً، ولم يكن خالياً من التحديات، لكنه كان عاماً مبنيًا على الصدق والوضوح.
سحر بدأت تتغير ببطء. أول زيارة لها للمطعم كانت بعد ثلاثة أشهر من تلك المحادثة.. حجزت طاولة لشخصين، جاءت مع ابنتها الصغيرة، وطلبت الطعام من القائمة بكل هدوء، ودفعت الحساب قبل ما أتكلم حتى. لما حاولت أمنعها من الدفع، ابتسمت وقالت
لا يا نادية.. الأكل له ثمن. والاحترام تمنه أنتِ تعرفيه كويس.
وبدأت تتعلم مهنة جديدة، دورة في المحاسبة والإدارة، قالت لي بابتسامة خجلانة
عايزة أعتمد على نفسي. مش عايزة أكون عبء على أحد. ربنا يكرمني وأفتح مشروع صغير خاص بي، وأعرف إحساس ما بتعرفيه غير اللي بيتعب ويبني بيده.
وحماتي أصبحت من أكثر الناس احتراماً لي. كل ما التقينا كانت تقول بكل فخر تعلموا من نادية.. هي علمتنا إن الكرم مش يكون على حساب نفسك، وإن الكرامة ما بتبيع ولا بتشترى.
أما المطعم فازدهر بشكل لم أتخيله. لم يكن فقط لأن الطعام لذيذ والمكان نظيف.. كان لأن الناس شافوا فيّ قدوة لمرأة تحترم نفسها وتحترم عملها. أصبحت ألقي محاضرات صغيرة لشابات صاحبات مشاريع ناشئة، أقول لهن دائماً
لا تخفن من وضع الحدود. الناس اللي بتحبك حقاً هتحترم حدودك. والناس اللي بيزعلوا منك لأنك طلبتي منهم احترامك.. دول مش محتاجين يكونوا في حياتك أصلاً.
وذات مساء وأنا جالسة في مكتبي أقرأ كتاباً، دخل حاتم بابتسامة دافئة ووضع كوب شاي جنبي
تعرفي إنك أقوى إنسانة قابلتها في حياتي؟
ولماذا؟ لأنني خصمت على أختك خمسين ألف جنيه؟ ضحكت بخفوت
لا.. لأنك حافظتي على نفسك من غير ما تكرهيها. حافظتي على حدودك من غير ما تقطعي صلة الرحم. وثبتي إن العيلة مش تعني إننا نأكل بعض.. العيلة تعني إننا نساعد بعض نكون أحسن.
خرج معي لشرفة المطعم المطلّة على شارع الزمالك الهادئ. النجوم كانت واضحة في السماء، والهواء العليل بيحمل رائحة الزهور من الحدائق المجاورة. مسك إيدي وقال
أحياناً كلمة لا هي أصدق كلمة ممكن تقوليها لمن تحب. وانتِ قلتيها في الوقت الصحيح.
نظرت لعينيه، وشعرت بالسلام الداخلي الذي لا ثمن له. لم أندم يوماً على موقفي. لم أندم لأنني عرفت شيئاً مهماً جداً أن تحب نفسك بما يكفي لتقول كفاية حين يتجاوز الحد.. ده مش أنانية. ده احترام للنفس لا
يقل أهمية عن احترامك للآخرين.