حماتي عملت سبوع

بعد شهر، ثم تنكرت له وقالت إنها مش فاكرة. أخذت عربة أختها الصغيرة تستخدمها أسبوعين ورجعتها مکسورة وقالت لها ده كان كده من الأول. حتى في نادٍ نسائي كانت عضوة فيه، اشتكت عليها مجموعة من السيدات لأنها كانت تطلب من العاملات خدمات خاصة وتطلب منهم خصومات باسمها دون إذن الإدارة.
ذات يوم، صديقة حماتها القديمة جت لزيارتها، وبين الحكايات قالت لها بصوت عالٍ
بصراحة يا حاجة، سحر آخر الفترة صعبة التعامل جداً. كل اللي تعامل معاها بيقول نفس الكلام بتأخذ بكل ثقة، ولما ييجي وقت العطاء تختفي. وكل الناس بتقول إن نادية عملت الصح لما حطّتها عند حدّها. لو كل واحد سمح لقريبه يأخذ من ماله ببلاش، حياته هتتدمر.
حماتي كانت مصډومة. بدأت تراجع المواقف واحدة تلو الأخرى، وتتذكر كم مرة كانت سحر تطلب وتأخذ وتستخدم اسم العائلة كبطاقة مرور مجانية، وكم مرة كنت أنا الوحيدة اللي تحط الحدود بهدوء وحكمة، لا بصوت عالٍ ولا بشكوى.
وفي نفس الفترة، حدث ما لم أتوقعه. مدير البنك اللي كان معايا ملفات القروض جاني في المطعم بابتسامة واسعة وقال لي
مبروك يا مدام نادية. سمعنا عن الموقف بتاعك مع أهلك، وكيف حافظتي على أصول عملك. ده شيء نفتخر بيه. الإدارة قررت تمدّ لكي فترة سداد القرض وتخفض الفائدة بنسبة 15، لأنك مثال لصاحبة مشروع بتقدر تدير عملها باحترافية وثبات حتى في أصعب المواقف.
خرج من عندي وأنا مش مصدقة. ما فقدته من علاقات واهية، اكتسبته من احترام وتقدير حقيقي من ناس بتقيّم المبدأ والالتزام. المطعم لم يخسر زبائنه الحقيقيين.. على العكس، كلمة انتشرت مكان محترم، صاحبته بتديره باحترام وعدالة. والناس بتحب تتعامل مع المكان اللي بيعرف حدود نفسه.

الجزء الرابع
ستة أشهر مرت على الحاډثة. الجراح بدأ يلتئم، لكن المسافة بيننا وبين سحر ظلت موجودة كحقيقة لا يمكن إنكارها. لم أتمنى لها سوى الخير، لكنني كنت عازمة ألا أسمح لأحد باستغلال تعبي أبداً.
وفي يوم أحد هادئ، جاءتني مكالمة من حماتي. صوتها كان مختلفاً، هادئاً ومتردداً
لو تسمحي لي أجيلك المطعم بعد العصر.. محتاجة أتكلم معاكي شوية لوحدنا.
اتفقت على الموعد، وجاءت في وقتها تماماً. دخلت المطعم وهي تنظر حولها بدهشة
ما زاد جمال المكان يا نادية.. كل زاوية بتقول قصة تعب وجهد.
جلست قدامي، وشربت كوب شاي دافئ بصمت دام دقائق طويلة، ثم رفعت عيناها إليّ وقالت بصدق مؤلم
أنا آسفة يا بنتي. آسفة إني صدقت كلامها ونسيت تعبك. آسفة إني وقفت في صفها وظلمتك شهور طويلة.
دموعها نزلت ببطء، وكلماتها خرجت مجهدة
اكتشفت إنها استدانت من كل شخص في العائلة تقريباً، والكل بيقول نفس الحكاية. كنت عمياء عنها لأنها بنتي الصغيرة.. خفت عليها من أي رد فعل، فكنت أجعل الجميع يتنازلون من أجلها، وبذلك خليتها إنسانة تعتقد إن الحق يُعطى لا يُكتسب.
مسكت إيدها بكل دفء
أنا مش حاقدة عليها يا ماما. بس لازم تتعلم إن الدنيا مش بتعطي ببلاش. حتى المحبة لازم يكون فيها احترام متبادل.
عندك حق.. واليوم جاية أطلب منك طلباً واحداً قابليها مرة واحدة. هي مش عايزة تعتذر قدام الكل، بس محتاجة تفهميها إن الباب مش مغلق في وجهها للأبد.
وافقت ليس من أجلها فقط، بل من أجل سلامي الداخلي. لأنني عرفت إن الحب الحقيقي مش يعني التنازل عن الحق.. هو يعني التعامل بإنصاف حتى مع من أخطأ في حقك.
التقينا في نفس المكان الذي شهد بداية الخلاف.. مطعمي،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *