رجعت من الشغل 3
كان الرقم غريباً وغير مسجل. رفع كريم الهاتف وفتح المكبر بصوت خافت: “ألو؟”جاءه صوت امرأة غريبة، نبرتها حادة ومليئة بالوعيد والثقة الجريئة: “مساء الخير يا كريم… افتكرت إنك لما حبست سامح اللعبة خلصت؟… سامح كان مجرد أداة صغيرة بنحركها.
أختك وطارق الله يرحمهم شالوا معانا أسرار تسقط أسماء كبيرة أوي في البلد… ومريم معاها المفتاح. قدامك 24 ساعة تسلمنا الشريط اللي كان مع أمها… وإلا الدفعة الجاية مش هتكون سامح بمطواة، الدفعة الجاية مش هتبقي فيها نفس واحد صاحي في بيتكم!
“وانقطع الخط فوراً!تلاقت أعيننا في ذهول مرعب، وتساقط القلم من يد مريم، وعاد الخوف ليخيم على المكان من جديد… الشريط؟ أي شريط كانت تخفيه أم مريم؟ وما الأسرار الأكبر التي تتحدث عنها هذه المرأة؟
انحدر الصوت القاسي من سماعة الهاتف كأنه سياط من نهار، وتلاشت كل مشاعر الدفء والارتياح التي كانت ترفرف في الغرفة منذ لحظات. تجمد كريم في مكانه والهاتف ينزلق ببطء بين أصابعه المرتجفة، بينما تراجعت مريم إلى الخلف وهي تلمس الجدار بظهرها، وتنظر إلينا بعيون مليئة بالرعب المتجدد وكأنها فهمت الخطر الذي يهددنا من نبرة الصوت الغريب.
ساد صمت خادق وموتور، لا يقطعه إلا صوت أنفاسنا المتسارعة. نظر إليّ كريم بضبابية وذهول، وشفتيه تهمسان بلا صوت: “شريط؟… شريط إيه اللي بتتكلم عنه؟!”اقتربت منه وبلا تردد جثوت أمامه، مسكت يديه الباردتين وقلت بصوت محشور بالخوف ولكن محاولاً الثبات: “كريم… ركز معايا! المرأة دي مين؟
وهل طارق أو أم مريم جابوا سيرة أي شريط أو فيديو أو فلاشة قبل كده؟ تفكر كويس يا كريم، دي مش مجرد تهديدات فارغة، الناس دول عارفين إحنا فين وعارفين كل حاجة عن القضية!”مسح كريم وجهه بيديه وهز رأسه بنفي هستيري: “والله العظيم ما أعرف حاجة عن شريط يا إنجي!
طارق مات من أربع سنين، وأم مريم كانت عايشة في عزلة تامة، أنا لما دخلت شقتها عشان أنقذ مريم بعد الجر. يمة، ما لمستش أي حاجة، الشقة كانت مقلوبة رأسًا على عقب لأن سامح كان بيدور على حاجة.
.. أظن الشقة اتفتشت شبر شبر!”في تلك اللحظة، قطعت مريم الصمت. تحركت الطفلة بخطوات متلعثمة نحو الحقيبة الصغيرة التي جلبها كريم معها من شقتها القديمة، الحقيبة القماشية المتهرئة التي كانت تحوي بعض ملابسها الممزقة وألعابها القديمة.