رجعت من الشغل 3
وبعد ساعات طويلة من التحقيق والتدقيق، وقف وكيل النيابة وقال بنبرة هادئة: “بناءً على التقرير الطبي للطفلة، وشهادة الزوجة والتحريات، قررنا إخلاء سبيل كريم بكفالة مالية على ذمة قضية التكتم، وإحالة المتهم سامح إلى محكمة الجنايات بته. مة الق. تل العمد والشروع في الق. تل.
.. أما الطفلة مريم، فستبقى تحت الرعاية المؤقتة لعمها كريم وزوجته لحين صدور قرار النيابة الحاسم بشأن الوصاية الرسمية.”تنفسنا الصعداء جميعاً، وكأن الجبال التي كانت تجثم على صدورنا انزاحت دفعة واحدة. خرجنا من القسم مع بزوغ أول أشعة لشمس الصباح، والهدوء يلف الشوارع وكأن المدينة كانت تشهد معنا نهاية كابوس طويل.
عدنا إلى البيت… الشقة كانت تحتاج لإصلاحات كثيرة، الباب الخشبي المكسور، الزجاج المتناثر في الصالة، وآثار الدماء على الأرضيات. لكن بالرغم من الدمار، كان هناك شعور غريب بالسلام يملأ المكان… السلام الذي يأتي بعد معركة طاحنة خرجنا منها أحياء.
أصلحنا الباب مؤقتاً، وقمت بتنظيف المكان ورعايتي لكريم وجراحه. جلس كريم على السرير، ونظر إليّ والدموع تتجمع في عينيه، وقال بصوت مبحوح: “أنا مش عارف أقولك إيه يا إنجي… أنا ظننت إنك هتهربي وتسبيني لما تعرفي البلاوي دي كلها.
.. بس إنتي كنتي الوحيدة اللي وقفتي في وش المو. ت عشان تحمينا.”ابتسمت له وأنا أمسح على شعره بهدوء: “إحنا بيت واحد يا كريم… والخرابيش اللي في صدرك دي كانت دليل على إنك بتعافر عشان تحمي يتيمة… السرية كانت كابوس، بس الحقيقة جمعتنا.”وفجأة… جاءت مريم بخطوات هادئة ودخلت الغرفة.
كانت تحمل في يدها دفتر رسم صغير وقلم ألوان قديم وجدته في الصالة. وقفت أمام السرير، وفتحت الدفتر ومدته نحو كريم ونحوي. نظرت إلى الصفحة… وكانت مريم قد رسمت ثلاثة أشخاص يمسكون بأيدي بعضهم البعض تحت شمس كبيرة: رجل، وامرأة، وطفلة صغيرة في المنتصف…
وتحت الرسمة، كتبت بخط صغير ومربك، ولكن واضح للعيان كلمة واحدة: “عيلتي”.دمعت عيناي وشعرت بقلبي ينبض بالدفء. احتضن كريم الطفلة بقوة وهو يبكي، وانضممت إليهما في عناق دافئ. لكن… وبينما كنا نعيش تلك اللحظة المؤثرة، رن هاتف كريم بجوار السرير.