انا شفت اللبن بيتسرب
أتمنى أشوفك يوم فرحك وأنا فرحان بيكي. بصيت لجدتي، وبعدها رجعت بصيتله. لو قدرت تحترم حدودي، وتثبت إنك اتغيرت، هتكون مدعو للفرح. دموعه نزلت، لكنه ما حاولش يقرب مني أو يضغط عليّا. شكرًا يا شمس. خرج من البيت بعد ما سلّم على جدتي، وأنا فضلت باصة للعلبة اللي قدامي. مكنتش عارفة إذا كنت سامحته فعلًا، لكني كنت عارفة إن مشاعري مش لازم تتحسم في يوم واحد. كان من حقي أتعافى على مهلي.
النهاية السعيدة
جاء يوم الفرح أخيرًا. البيت كان مليان ضحك وزغاريد، وجدتي مش سايبة حد إلا وبتحكيله عن شمس حفيدتها اللي تعبت واجتهدت ووصلت لحلمها. كنت قاعدة في أوضتي، لابسة فستان الفرح، وببص لنفسي في المراية. مروة كانت بتظبط الطرحة، وندى واقفة جنبي، بتساعدني أقفل السلسلة اللي رجعتلي من حاجات أمي. ندى ابتسمت وقالت عارفة؟ أنا عمري ما شوفتك مبسوطة بالشكل ده. ضحكت. عشان دي أول مرة أكون مبسوطة من غير ما أبقى خاېفة إن حد ييجي يبوّظ فرحتي. ندى حضنتني. تستاهلي كل خير يا شمس. بعد شوية، جدتي دخلت، وأول ما شافتني، حطت إيديها على قلبها. يا روح قلبي… ربنا يسعدك ويعوضك عن كل دمعة نزلت منك. حضنتها، وهمست إنتي أغلى حاجة عندي في الدنيا يا تيتة. في قاعة الفرح، كان آدم واقف مستنيني، ولما شافني، ابتسم ابتسامة خلتني أحس إن الدنيا كلها نورت. قرب مني، وقال بصوت واطي أخيرًا بقيتي هنا. ضحكت وقلت أهو جيت، متستعجلش بقى! ضحك، ومد إيده ليا. مسكت إيده، ومشينا وسط الزغاريد والتصفيق. كان أبويا موجود، قاعد في آخر القاعة، هادي، وعينيه مليانة دموع. لما عيوننا اتقابلت، هز راسه ليا باحترام، وأنا رديت عليه بهزة بسيطة. مكنش كل شيء اتصلح، لكن على الأقل، بدأت أحط حدود واضحة، وأتعامل مع الماضي من غير ما أسمح له يتحكم في مستقبلي. أما زينب، فكانت بتواجه الإجراءات القانونية اللي ترتبت على أفعالها، وما كانش فيه رجوع عن حقّي في المحاسبة. وندى اختارت تعيش بعيد عن الصراعات، وبدأت تشتغل وتبني حياتها بنفسها. وفؤاد المنشاوي، بعد ما اتجمعت الأدلة واتراجعت المستندات، بقى مضطر يواجه التحقيقات المتعلقة بالڼزاع على الأرض، واتحركت القضية في طريقها القانوني. أنا وآدم بدأنا حياتنا في بيت هادي، فيه مكتبة كبيرة، وشباك بيدخل منه نور الشمس كل صباح. بعد الجواز، كملت دراستي، وبدأت أشتغل، وأدير حقوقي وممتلكاتي بعقل، بمساعدة المحامي، من غير ما أسمح لأي حد يستغلني تاني. وفي أول عيد ليا بعد الجواز، آدم رجع من شغله لقى البيت منور، وجدتي قاعدة معايا، وأنا بحضر الغدا. وقف عند الباب، وقال هو أنا دخلت البيت الغلط؟! ضحكت. ليه بقى؟ أصل البيت ريحته أكل حلو، وفيه ضحك، ومفيش حد بيزعق… أنا مش متعود على الهدوء ده! ضحكنا كلنا. بعد الغدا، خرجت معاه للجنينة، وقعدنا تحت شجرة ياسمين. بصلي وقال فاكرة أول مرة اتقابلنا؟ ابتسمت. أنساها إزاي؟ كنت مربوطة في الزريبة، وداخلة على الدنيا كلها وأنا فاكرة إن مفيش حد ممكن يصدقني. آدم مسك إيدي برفق. وأنا فاكر أول كلمة قلتيها لما شفتيني. ضحكت قلتلك إنت مين وعايز مني إيه! وكنتِ عندك حق. بس تعرفي إيه أكتر حاجة اتعلمتها من اليوم ده؟ بصيتله. إيه؟ قال إن الإنسان ممكن يشوف حد مكسور، ويكون فاكر إنه محتاج حد ينقذه، لكن الحقيقة إن كل اللي محتاجه أوقات كتير هو حد يسمعه، ويصدقه، ويسيبله حق الاختيار. ابتسمت، وحسيت بدموعي بتتجمع في عيني. وأنا اتعلمت إن الظلم ممكن ياخد مننا حاجات كتير، لكنه مش لازم ياخد مستقبلنا. آدم قرب مني، وقال وإنتي تستاهلي مستقبل أجمل من كل اللي فات. حطيت راسي على كتفه، وبصيت للسما. افتكرت أمي، وافتكرت جدتي، وافتكرت البنت اللي كانت مربوطة في الزريبة، وبتدعي ربنا يبعتلها حد ينقذها. البنت دي كانت فاكرة إن نجاتها معناها إن حد ييجي يشيلها من المكان اللي اتحبست فيه. لكنها اكتشفت إن النجاة الحقيقية كانت إنها تتعلم تقف على رجليها من جديد، وتعرف قيمتها، وتختار حياتها بإرادتها. وأنا، شمس، ما بقيتش مجرد بنت اتظلمت. بقيت بنت اتعلمت إن كرامتها مش محتاجة موافقة حد، وإن الحق ممكن يتأخر، لكنه لازم يتاخد بالطريق الصح، وإن الحب الحقيقي عمره ما بيكون سجن، ولا خوف، ولا إجبار. كان عندي بيت جديد، وشريك بيحترمني، وجدة لسه بتدعّيلي في كل صلاة، ومستقبل أخيرًا بقي ملكي. وفي آخر ليلة من ليالي السنة، وقفت قدام المراية، وبصيت لنفسي، وابتسمت. همست شمس… أخيرًا بقيتي في النور.
تمت بحمد الله.
بقلم انجي الخطيب