انا شفت اللبن بيتسرب

المختصة، وتم فحص التسجيلات والرسائل، وبدأت تظهر تفاصيل أكتر عن محاولة الاستيلاء على ممتلكات أمي. أما زينب، فبقت مطالبة تواجه مسؤوليتها عن اللي عملته، وكل شيء اتساب للتحقيق والقضاء. فؤاد المنشاوي حاول ينكر علاقته بالموضوع، لكن الأدلة بدأت تضيق عليه، خصوصًا بعد ما ظهرت مراسلات بتشير لمحاولته الضغط على زينب عشان تمنعني من الوصول للمستندات. أنا مكنتش بتابع كل تفصيلة بنفسي، لأن آدم وجدتي كانوا مصرين إني أركز على صحتي ومستقبلي. رجعت لجامعتي بعد فترة راحة، وكان أول يوم ليا صعب. كنت خاېفة من نظرات الناس، وخاېفة يكون الكلام اللي اتقال عني وصل لزمايلي. لكن أول ما دخلت المدرج، لقيت صاحبتي مروة بتجري ناحيتي. حضنتني، وقالت يا بنتي! إنتي كنتي فين؟! أنا كنت بمۏت من القلق عليكي! عيطت وأنا بحضنها. حصلت حاجات كتير يا مروة، بس مش عايزة أحكي دلوقتي. ردت مش لازم تحكي. المهم إنك رجعتي. قعدت جنبي طول المحاضرة، وبعدها خرجنا نشرب حاجة. لأول مرة من شهور، ضحكت من قلبي. وبعد كام يوم، بدأت أرجع لمذاكرتي، وأرتب حياتي من جديد. أما آدم، فكان بيطمن عليّا من غير ما يضغط عليّا، وكل ما نتقابل، كان يخليني أحس إن رأيي مهم وإن حياتي ملكي. في يوم، كنا قاعدين في جنينة بيت جدتي، وهو جابلي كتاب كنت بدور عليه من فترة. ناولني الكتاب، وقال افتكرت إنك قلتي إنك محتاجاه. ابتسمت. إنت بتفتكر كل حاجة بقولها؟ ضحك. مش كل حاجة، لكن الحاجات اللي بتهمك بحاول أفتكرها. سكت لحظة، ثم قال شمس، أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع. قلبي دق بسرعة. خير؟ بصلي بجدية. أنا لسه متمسك بفكرة إننا نكمل ونتعرف على بعض، لكن مش عايزك تحسي إنك مديونة ليا عشان أنقذتك. اللي حصل في الزريبة ملوش علاقة بقرار الجواز. أنا عايزك تختاريني لو كنتي مقتنعة بيا، مش عشان شايفة إني أنقذتك من حاجة. بصيتله، وحسيت إن الكلام ده كان أهم من أي وعد ممكن يقوله. وأنا مش هتجوزك عشان إنت أنقذتني يا آدم. ابتسم وسأل أمال ليه؟ اتكسفت، وبصيت للكتاب اللي في إيدي. عشان إنت أول حد من وقت طويل يحسسني إني إنسانة ليها رأي، وإن من حقي أقول لأ، ومن حقي أخاف، ومن حقي أختار. بس أنا لسه عايزة وقت. آدم هز راسه. خدي كل الوقت اللي تحتاجيه. ابتسمت. بس ممكن نخرج نتكلم ونتعرف على بعض أكتر؟ ابتسامته وسعت. دي أحلى دعوة جاتلي من سنين.
فرحة استحقتها شمس
عدت الشهور، وبدأت حياتي ترجع لطبيعتها. قضية الأرض اتحركت، وحقوق أمي بدأت تتحدد رسميًا، وبقيت عارفة إن فيه مستقبل أقدر أبنيه بإيدي، من غير ما أكون تحت رحمة حد. آدم كان موجود في حياتي، لكن مش باعتباره الشخص اللي أنقذني وبس، إنما باعتباره إنسان اتعرفت عليه، وشفت أخلاقه في المواقف الصعبة قبل السهلة. كان بيختلف معايا أوقات، لكن عمره ما حاول يفرض رأيه عليّا، ولا يقلل من أحلامي. وفي يوم تخرجي، كنت واقفة قدام المراية في بيت جدتي، لابسة فستان بسيط، وشعري متسرح، وببص لنفسي وأنا مش مصدقة إني وصلت لليوم ده. جدتي دخلت، وشافتني، فدموعها نزلت. يا حبيبتي… أمك لو كانت عايشة، كانت هتفرح بيكي أوي. حضنتها بقوة. إنتي اللي خليتيني أوصل يا تيتة. إنتي اللي فضلتي واقفة جنبي لما الدنيا كلها كانت ضدي. مسحت على شعري. إنتي اللي تعبتي واجتهدتي يا شمس. أنا بس كنت بفتحلك الباب، لكن إنتي اللي مشيتي الطريق. في حفل التخرج، كان آدم واقف مع أمه، ولما شافني، ابتسم بفخر. بعد ما الحفل خلص، قرب مني وناولني باقة ورد. مبروك يا دكتورة شمس المستقبلية! ضحكت. لسه مش دكتورة يا آدم! بالنسبة لي، إنتي حققتي حاجة عظيمة، ولسه قدامك حاجات أعظم. مريم حضنتني، وقالت أمك كانت محظوظة إنها خلفت بنت قوية زيك. بصيت للسما، وهمست ربنا يرحمك يا ماما… أنا كملت الطريق اللي كنتي بتحلمي بيه عشاني. بعد الحفل، آدم طلب يقعد معايا ومع جدتي. كان متوتر شوية، وده خلاني أضحك. إنت متوتر ليه؟ دي مش أول مرة تقابل جدتي! رد وهو بيعدل ياقة قميصه المرة دي مختلفة. جدتي ابتسمت بخبث. خير يا ابني؟ شكلك جاي في موضوع كبير. آدم بصلي، ثم رجع بص لجدتي. أنا جاي أطلب إيد شمس رسمي، لو هي موافقة. حسيت بوشي بيحمر، وجدتي بصتلي. الرأي رأيك يا بنتي. بصيت لآدم، وافتكرت أول مرة شفته فيها في الزريبة، وأنا مربوطة وخاېفة، وهو واقف قدامي بيسألني مين ظلمني. وقارنت بين البنت اللي كنتها يومها، والبنت اللي بقيتها دلوقتي. أنا مش بوافق على الجواز عشان أهرب من بيت أبويا، ولا عشان أرد على زينب، ولا عشان آدم أنقذني. أنا بوافق لأني عرفت الراجل اللي قدامي، وشفت احترامه ليا في كل موقف. ابتسمت وقلت موافقة يا آدم. آدم فضل باصصلي لحظة، وكأنه مش مصدق، وبعدها ابتسم ابتسامة كبيرة. جدتي رفعت إيديها للسما الحمد لله يا رب! ربنا يتمم لكم على خير. مريم حضنتني، وآدم قال بهدوء أوعدك يا شمس إني هفضل أتعامل معاكي بنفس الاحترام اللي بدأنا بيه، وإن بيتنا هيكون مكان تحسي فيه بالأمان، مش مكان تخافي منه. مسكت إيده، وقلت وأنا أوعدك إني هكون شريكة ليك، مش مجرد حد ماشي وراك. ضحكنا كلنا، وكانت دي أول مرة من سنين أحس إن قلبي مرتاح فعلًا.
آخر مواجهة مع الماضي
قبل الفرح بأسبوع، أبويا طلب يقابلني. المرة دي وافقت أقابله في بيت جدتي، بحضورها. دخل وهو شايل علبة صغيرة، وقعد قدامي من غير ما يبص في عيني. قال دي حاجات أمك اللي قدرت أرجعها من زينب، ومعاها شوية صور قديمة ليكي وإنتي صغيرة. فتحت العلبة، ولقيت فيها صور ليا وأنا طفلة في حضڼ أمي، وخاتمها القديم، وورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيدها
شمس، يا نور عيني، لو في يوم الدنيا ضاقت بيكي، افتكري إنك أقوى مما تتخيلي، وإن كرامتك أغلى من رضا أي حد.
حضنت الورقة لصدري، واڼفجرت في العياط. أبويا كان بيبكي هو كمان. قال أنا ضيعت سنين من عمرك يا بنتي، ومش عارف إذا كنت أستحق إنك تسامحيني ولا لأ. بس أنا بدأت أروح لمتخصص يساعدني أفهم إزاي وصلت للدرجة دي من الضعف، وإزاي سمحت لحد يتحكم فيا بالشكل ده. ومش هطلب منك ترجعي البيت، ولا هضغط عليكي. أنا بس عايزك تعرفي إني بحاول أتغير. بصيتله طويلًا. كنت لسه موجوعة، لكني بدأت أفهم إن الاعتراف بالغلط مش كفاية لوحده، وإن التغيير الحقيقي محتاج وقت وأفعال. قلتله أنا مش قادرة أرجع زي زمان، يا أبويا. ومش هقدر أنسى اللي حصل. هز راسه. عارف. كملت لكن لو إنت فعلًا بتتغير، خليك ثابت على ده. مش عشاني بس، عشان نفسك، وعشان متظلمش حد تاني. رفع عينيه ليا.
حاضر. سكتنا شوية، ثم قال كنت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *