اريد فقط ان اتحقق من رصيدي
خلفها مباشرة وقف رجل بدا نقيضها الكامل
ريتشارد هارينغتون
في منتصف الخمسينيات من عمره طويل القامة ممتلئ الكتفين يرتدي بدلة رمادية داكنة مفصلة خصيصا له ساعة رولكس تلمع في معصمه الأيسر وربطة عنقه الحريرية موضوعة بعناية مدروسة
كان معروفا في أتلانتا لا بثرائه فقط بل بصوته العالي وثقته المفرطة بنفسه وحرصه الدائم على أن يراه الجميع
نظر إلى الطابور ثم إلى ساعته ثم أطلق زفيرا حادا
تمتم بكلمات غير مسموعة لكن نبرته كانت كافية لتظهر ضيقه بالنسبة له الوقت مال وأي تأخير إهانة غير مقبولة
لمح المرأة المسنة أمامه وانقبض فمه في حركة لا إرادية من الضيق
بطء خطواتها ثباتها في مكانها عدم استعجالها كل ذلك بدا له عائقا غير ضروري
مرت الدقائق ببطء
تقدم الطابور خطوة ثم أخرى
كانت إيفلين تتحرك معه بهدوء وكأن الزمن لا يعني لها ما يعنيه لمن خلفها
وأخيرا وصلت إلى الشباك
خلف الزجاج كانت تقف موظفة شابة لا تزال ملامح التخرج حديثة على وجهها اسمها سارة كانت تحاول الحفاظ على ابتسامة مهنية رغم ضغط العمل وكثرة الزبائن
ابتسمت إيفلين لها ابتسامة دافئة تلك الابتسامة التي لا تطلب شيئا سوى اللطف
أخرجت من حقيبتها بطاقة بنكية قديمة حوافها مثنية وسلمتها لسارة بيد مرتجفة قليلا
قالت بصوت منخفض لكنه واضح يحمل نغمة الجنوب الأمريكي الهادئة
يا ابنتي أريد فقط أن أتحقق من رصيدي
هزت سارة رأسها بأدب وأخذت البطاقة
في تلك اللحظة كان ريتشارد قد التقط الكلمات
رفع حاجبه ثم انفرج فمه عن ابتسامة ساخرة
اقترب قليلا وضحك ضحكة قصيرة كمن سمع نكتة غير متوقعة
في ذهنه كانت الصورة مكتملة امرأة مسنة بملابس بسيطة تسأل عن رصيدها
لا بد أنه مبلغ زهيد فكر معاش تقاعد أو بضع مئات لا أكثر
ازداد استهزاؤه حين تأخر إدخال البيانات قليلا
ضحك بصوت أعلى هذه المرة ليلتفت بعض من في الطابور
وقال بنبرة متعالية وهو يشير بيده نحو الخارج
سيدتي إن كنت تريدين فقط معرفة الرصيد فهناك جهاز صراف آلي في الخارج هذا الطابور للمعاملات المهمة
ساد صمت خفيف
استدارت إيفلين ببطء كما لو أن كل حركة تحتاج إذنا من عمرها الطويل
نظرت إليه نظرة هادئة لا غضب فيها ولا خوف ولا ارتباك
قالت بصوت ثابت خال من الانفعال
أيها الشاب التزم الأدب لقد كنت أتعامل مع هذا البنك منذ ما قبل أن تولد