اما مهرة كانت اماني سيد
أما رشا، فقد عادت إلى المزاح مع ابن عمها، الذي أخذ يحكي لها عن بعض المواقف التي حدثت أثناء سفر أعمامها، فضحكت مجددًا، بينما اكتفى صفوان بمتابعة الحديث من حين إلى آخر.
ولم يغب عنه ارتياح رشا لوجود أقاربها، وبالتحديد ابن عمها، فقد كانت هذه أول مرة يراها تضحك بهذه الطريقة منذ فترة طويلة.
ومع مرور الوقت، بدأ يشعر بأنه غريب قليلًا عن أجواء الأسرة التي كانت تجمعه برشا في الماضي.
لم يكن يعرف إن كان هذا الشعور نابعًا من تغير علاقته بها، أم لأنه اعتاد مؤخرًا أن يكون الشخص الذي تلجأ إليه وقت الشدة، فوجد نفسه الآن أمام أسرتها كاملة، لا تحتاج منه إلى شيء.
وحين رفعت رشا عينيها إليه وسألته إن كان يريد تناول الشاي، أجابها بابتسامة هادئة:
– شكرًا، مش عايز أتعبكم.
لكن عينيه انتقلتا للحظة إلى ابن عمها الذي كان يمازحها، قبل أن يعود بنظره إلى والدها ويستكمل الحديث معه.
لم يكن لديه سبب واضح للانزعاج، ولم يكن من حقه أن يتدخل في حياة رشا أو يسألها عن علاقتها بأحد، بينما كانت صورة مهرة وهي تتجنبه في كل مرة يحاول الاقتراب منها تعود إلى ذهنه دون استئذان.
فكر في مهرة، وفي الطريقة التي أصبحت تتحدث بها معه، ثم تساءل في صمت إن كانت قد وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها وجوده يعني لها شيئًا، أم أنها فقط تحاول إقناع نفسها بذلك.
وللمرة الأولى، شعر أن المسافة التي صنعتها مهرة بينهما قد تكون أكبر من مجرد فترة تحتاجها للتركيز في دراستها؛ فقد تكون بدأت بالفعل في إخراجه من حياتها، بينما هو ما زال يبحث عن فرصة واحدة ليشرح لها الحقيقة.
مرّ شهران كاملان، حاول خلالهما صفوان الاقتراب من مهرة بشتى الطرق، لكنه لم يجد منها سوى التجاهل والابتعاد.
كلما حاول أن يفتح معها حديثًا، اختلقت عذرًا للانصراف، وإن اتصل بها أجابته بكلمات مقتضبة لا تسمح له بإطالة المكالمة.
حتى محاولاته للاطمئنان عليها من خلال السؤال عن دراستها وعملها لم تعد تجدي نفعًا، فقد أصرت على إبقاء العلاقة بينهما في أضيق الحدود، وكأنها اتخذت قرارًا نهائيًا بألا تمنحه فرصة أخرى للدخول إلى قلبها.
وكان ذلك يضايق صفوان أكثر مما أراد الاعتراف به، فهو لم يعتد أن يقف عاجزًا أمام أمر يريده، لكنه هذه المرة كان يعلم أن إصراره قد يزيدها ابتعادًا، فحاول احترام رغبتها، وإن ظل يبحث عن اللحظة المناسبة التي يستطيع فيها أن يشرح لها حقيقة ما حدث يوم اتصلت به رشا.
