اما مهرة كانت اماني سيد
في المساء، وجدها جالسة في إحدى زوايا الصالة تراجع أوراقها الدراسية، فاقترب منها وجلس على المقعد المقابل لها.
– مهرة، ممكن أتكلم معاكي شوية؟
رفعت عينيها إليه للحظة، ثم عادت إلى أوراقها.
– خير؟
ضايقه ردها البارد، لكنه حاول أن يتمالك نفسه.
– أنا عارف إنك متغيرة معايا من يوم ما خرجت من البيت بعد مكالمة رشا، وعارف إنك فهمتي الموضوع غلط، بس أنا عايز أوضحلك حاجة.
أغلقت مهرة كتابها، لكنها لم تنظر إليه.
– مفيش حاجة محتاجة توضيح يا صفوان.
– لأ، فيه. إنتِ مش عارفة رشا اتصلت بيا ليه، ولا أنا خرجت من البيت بالشكل ده عشان إيه. أنا كنت رايح لها لسبب مهم، ومش عايزك تفضلي فاهمة الموضوع بطريقة تانية.
رفعت رأسها أخيرًا، ونظرت إليه بعينين تحاول إخفاء ما فيهما من ألم.
– وأنا مالي يا صفوان؟ إنت حر تروح لمين وتيجي منين، ومش مضطر تبررلي أي حاجة.
عقد حاجبيه، فقد كانت كلماتها أشد إيلامًا مما توقع، لا لأنها اتهمته، بل لأنها تتعامل معه وكأنه أصبح شخصًا لا يعنيها أمره.
– إنتِ عارفة إن الموضوع مش كده. أنا مش بحاول أبررلك عشان من حقي أروح أو مجيش، أنا بحاول أشرحلك عشان…
قاطعته قبل أن يكمل:
– أنا مش عايزة أسمع حاجة. لو سمحت يا صفوان، أنا عندي مذاكرة ومش فاضية للكلام ده.
ظل ينظر إليها للحظات، محاولًا أن يقرر إن كان من الأفضل أن يصر على الحديث أم يمنحها المساحة التي تطلبها، لكنه أدرك من إصرارها أنها لن تستمع إليه مهما حاول.
نهض من مكانه وقال بنبرة خافتة تخفي وراءها ضيقًا واضحًا:
– براحتك يا مهرة. بس متحكميش على حاجة قبل ما تعرفي حقيقتها.
لم تجبه، بل فتحت كتابها من جديد، متظاهرة بالتركيز في السطور أمامها، بينما كانت الكلمات تتداخل أمام عينيها ولم تكن تستوعب منها شيئًا.
أما صفوان، فغادر المكان وهو يشعر للمرة الأولى بأنه عاجز عن الوصول إليها، رغم أنه لم يتراجع عن قراره بشأنها، ولم تتغير مشاعره نحوها.
كانت مهرة تسمع خطواته تبتعد، وكل ما بداخلها كان يدفعها إلى مناداته وسؤاله عما حدث، لكنها تماسكت في اللحظة الأخيرة.
لم تكن تريد أن تسمع تفسيرًا قد يعيد قلبها إلى نقطة البداية، ولا أن تمنحه فرصة أخرى لتتعلق به أكثر.