عز وغزل انجى الخطيب 8
“يا حاج حمدان، أنا هتعامل مع الموضوع بالقانون، والورق ده هيتراجع، والشاهد هيتسمع أقواله بمعرفة الجهات المختصة، لكن محدش هنا من حقه يصدر حكم على حد قبل ما الأدلة تكتمل.” وبعدين لف ناحية العمدة. “وأنت يا عمدة، لو عندك حاجة تنفي بيها الكلام ده، يبقى من حقك تقولها.
” العمدة سكت لحظة، وبعدين بص لحمدان نظرة كلها غضب مكتوم. “اللي بيني وبين حسن كان عشرة عمر، وأرض وشراكة وفلوس، ودي كلها حاجات بتحصل بين الرجالة، لكن حكاية القـ,ـتل دي كدب، وأنا مش هسمح لحد يدخل سرايتي ويتهمني في شرفي.
” حمدان رد من غير ما يعلي صوته: “وأنا مش جاي آخد شرفك يا رجب، أنا جاي آخد حق بنت أخويا.” الكلمة خلت غزل ترفع راسها لأول مرة من ساعة ما دخل حمدان السرايا، وكانت واقفة عند طرف المجلس، إيديها متشابكة قدامها، ووشها شاحب، وعينيها بتتنقل بين الراجل الغريب اللي بيقول إنه عمها، والعمدة اللي عاشت تحت سقف بيته سنين وهي فاكرة إن الدنيا كلها اختصرت في إنها يتيمة ملهاش حد.
قالت بصوت ضعيف: “حق إيه يا عمي؟ أنا مش فاهمة… أنا طول عمري هنا، والناس دي هي اللي ربتني، وأنا عمري ما سمعت إن ليا أرض ولا مال ولا أي حاجة.” حمدان لف ناحيتها، ولما شاف دموعها، ملامحه اتكسرت.
“عارف يا بنت أخويا، وعارف إنك اتربيتي على حكاية غير الحقيقة، وده اللي واجع قلبي أكتر من مـ,ـوت أبوكي.” غزل بلعت ريقها بصعوبة. “طب ليه محدش دور عليا؟ ليه أبويا مـ,ـات وأنا معرفش حتى شكله غير من الصورة دي؟
وليه فضلت سنين أعيش هنا وأنا فاكرة إن مفيش حد في الدنيا يسأل عني؟” حمدان فتح بقه يرد، لكن صوته خانه، فمسح على وشه بإيده، وقال: “لأن اللي حصل لأبوكي خلاني أخاف أخسرك إنتِ كمان، ولما وصلت للمكان اللي كنت فاكر إنك فيه، قالولي إنك متيّمة ومحدش يعرف لك طريق، وبعدها كل باب خبطت عليه اتقفل في وشي.
” غزل بصت للعمدة، وكأنها بتدور في ملامحه على إجابة واحدة تنقذ بيها سنين عمرها من الضياع. “وأنت يا عمدة؟” العمدة رفع عينه ليها. “نعم؟” “أنا عايزة أعرف منك إنت… أبويا كان مين بالنسبة لك؟” السؤال خرج منها بهدوء، لكن الهدوء ده كان أخطر من العياط والصريخ، لأن غزل لأول مرة ما نزلتش عينها في الأرض وهي بتكلمه.