عز وغزل انجى الخطيب 9
” مرت الأيام الأولى على عز تقيلة، كل يوم كان يعدي عليه أطول من اللي قبله، لكنه التزم بوعده، لا راح لبيت حمدان من غير استئذان، ولا بعت غفير يسأل عنها، ولا حاول يستخدم نفوذ أبوه عشان يرجعها.
كان بيخلص شغله، ويرجع جناحه، ويقعد في البلكونة اللي كانت غزل بتحب تقف فيها وقت الغروب، ويكتشف إن المكان اللي كان فاكره بيته بقى ناقصه أهم حاجة فيه. أما غزل، فكانت في بيت عمها حمدان، بتحاول تتعرف على حياة جديدة، كل يوم كان بيوريها تفصيلة من ماضي أبوها، صورة قديمة، جواب بخط إيده، حكاية عن ضحكته، أو موقف عن كرمه وشجاعته.
وفي إحدى الليالي، قعد حمدان معاها في الصالون، وطلع صندوق خشب قديم من دولاب مقفول. “تعالي يا غزل، عايز أوريكي حاجة.” قربت منه، ففتح الصندوق، وطلع منه صور وورق وعلبة صغيرة. غزل مسكت صورة لرجل شاب، عينيه فيها نفس اللمعة اللي في عينيها، وفضلت تبص له وهي بتبكي.
“ده بابا؟” حمدان هز راسه. “أيوه يا بتي، ده حسن، أبوكي اللي كان بيحبك قبل ما يشوف الدنيا كلها.” ضمت الصورة لصدرها، وقالت: “كان نفسي أشوفه ولو مرة واحدة.” حمدان مسح دمعة نزلت على خده.
“كان نفسه يشوفك تكبري، وكان كل ما يجيب لك حاجة يقول لي: البت دي هتكبر وهتبقى ست البنات، وهفضل أخاف عليها لحد آخر يوم في عمري.” غزل ابتسمت من وسط دموعها، وبعدين لفتت نظرها للعلبة الصغيرة. “إيه دي يا عمي؟
” فتحها حمدان، وطلع منها سلسلة فضة عليها حرف الغين، وقال: “أبوك اشتراها لك قبل ما تمـ,ـوت أمك، وكان ناوي يعلقها في رقبتك يوم عيد ميلادك الأول، لكنه ما لحقش.” غزل أخدت السلسلة، وضمتها في كفها، وحست لأول مرة إنها مش مجرد بنت يتيمة اتربت في بيت غريب، لكنها بنت ليها حكاية، وليها أب كان بيحبها، وليها أهل عمرهم ما نسيوها.
وفي نفس الليلة، دخلت أوضتها، وفتحت موبايلها، وفضلت تبص لرقم عز اللي كانت حافظاه من سنين، من غير ما يكون عندها الجرأة تكلمه. كتبت رسالة ومسحتها، وكتبت غيرها ومسحتها، لحد ما استقرت على كلمتين: “عامل إيه؟” بعتت الرسالة، وقلبها بيدق كأنها عملت حاجة كبيرة.
عز كان قاعد في البلكونة لما موبايله نور، ولما شاف اسمها، قام واقف مرة واحدة، وكاد الموبايل يقع من إيده. فتح الرسالة، وابتسم ابتسامة عمرها ما فارقت وشه بالشكل ده. رد بسرعة: “كنت كويس لحد ما بعدتي، دلوقتي بقيت مستني باقي الكلام.