عز وغزل انجى الخطيب 9
” غزل ضحكت، وكتبت: “يعني إنت مش عارف تعيش من غيري يومين؟” رد: “يومين؟ يا بنت الناس، أنا بقالي عمر بحاول أعيش من غيرك، وكل مرة بفشل.” غزل فضلت تبص للرسالة، ودموعها نزلت، لكنها المرة دي كانت دموع فرحة.
ومن الليلة دي، بدأت بينهم حكاية جديدة، مكالمات قصيرة في الأول، وبعدها كلام أطول، يحكوا لبعض عن يومهم، عن خوفهم، عن أحلامهم، وعن الحاجات الصغيرة اللي عمرهم ما عرفوا يقولوا عليها بصوت عالي. عز ما كانش بيطلب منها ترجع، لكنه كان كل يوم يثبت لها إنه موجود، يسمعها لما تتكلم، ويسكت لما تحتاج تسكت، ويضحكها لما الدنيا تضيق عليها.
وفي يوم، قالت له: “يا عز، إنت ليه متمسك بيا بالشكل ده؟” سكت لحظة، وبعدين رد: “عشان أنا لما كنت شايفك قدامي كل يوم، كنت فاكر إن وجودك مضمون، ولما بعدتي، فهمت إن الإنسان ممكن يكون عنده كل حاجة، وبرضه يبقى أفقر واحد في الدنيا لو خسر اللي بيحبه.
” غزل همست: “وأنا خايفة.” “من إيه؟” “من إننا نتجوز، وبعدها تزهق مني، أو تكتشف إنك كنت بتحب فكرة إنك تنقذني، مش أنا.” عز اتعدل في قعدته، وقال بجدية: “اسمعيني يا غزل، أنا مش عايزك تبقي محتاجة لي عشان تحبيني، ولا عايزك تحبيني عشان أنا وقفت جنبك، أنا عايزك تبقي قوية، وعندك رأيك وحياتك، وتختاريني كل يوم من جديد، ولو جه يوم وحسيتي إنك مش سعيدة معايا، يبقى نتكلم ونصلح، مش تسكتي وتستحملي.
” غزل سكتت طويلًا، وبعدين قالت: “إنت اتغيرت يا عز.” ضحك بخفة: “أصل فيه واحدة ربنا سلطها عليا، بتعلمني الأدب وأنا بعيد عنها!” ضحكت، وقالت: “تستاهل.” “أستاهل إيه بس؟ ده أنا بقيت بكتب شعر من كتر الشوق، ناقص أروح أقف تحت الشباك وأغني لك.
” “لو عملتها، هبلغ عنك!” “بلغي يا ستي، بس اكتبي في المحضر إن المتهم واقع في حبك من سنين، ومش عارف يطلع منه!” ضحكت غزل بصوت عالٍ، ولأول مرة من فترة طويلة، حسّت إن الضحكة طالعة من قلبها، مش مجرد محاولة إنها تبان قوية.
لكن بعيدًا عن حكاية الحب، كانت قضية حسن بتتحرك، والمأمور فاروق بدأ يكتشف إن في أوراق قديمة اتخبّت، وشهادات اتغيرت، وحسابات أراضي محتاجة مراجعة. حمدان قدم المستندات للجهات المختصة، وبدأ التحقيق في ملابسات وفـ,ـاة أخوه، بينما العمدة رجب اضطر يواجه أسئلة ما كانش متوقع إنها ترجع له بعد السنين دي كلها.