ماتلمى نفسك يابت
كل اللي بطلبه منك إنك متخليهمش ياخدوني معاهم.” سليم عقد حواجبه، وقال بلهجة حاسمة: “إنتي فاهمة إن الناس اللي بره دول معاهم محامي كبير، وإن مجرد كلامك مش كفاية عشان أتهمهم بحاجة؟ أنا محتاج أفهم إيه اللي بيحصل.
” مريم قربت منه خطوة، وعينيها بتترجاه إنه يسمعها، وقالت بصوت مبحوح: “مش لازم تتهم حد يا باشا، ولا حتى تصدقني دلوقتي. بس أرجوك متسلمّنيش ليهم. أنا لو رجعت معاهم، مش هخرج من عندهم تاني.” سليم فضل باصصلها، وهي كملت بسرعة قبل ما يقاطعها: “لو روحت معاهم، يبقى إنت كمان هتبقى شايل ذنبي.
أنا مش طالبة منك غير إنك تديني فرصة أعيش. فرصة واحدة بس أعرف فيها إزاي أنقذ نفسي من الناس اللي المفروض يكونوا أهلي!” الكلام لمس حاجة جواه، لكنه حاول يخبي ده ورا ملامحه الجامدة. أخد نفس طويل، وقال بصرامة: “اسمعي يا مريم، أنا مش هقدر أساعدك وأنا معرفش عنك حاجة.
إنتي لسه قايلة اسمك الحقيقي من ثواني، ومش عارف إيه اللي حصل بينك وبين أهلك، ولا إيه اللي يخلي عيلة كاملة تتحرك بالشكل ده عشان توصل لبنت واحدة.” مريم بصتله بصدمة، وكأن آخر باب كانت متعلقة بيه اتقفل في وشها.
“يعني هتسيبهم ياخدوني؟!” سليم سكت. مريم رجعت خطوة لورا، وبدأت دموعها تنزل بغزارة، وصوت عياطها على واحدة واحدة لحد ما بقت مش قادرة تسيطر على نفسها. “أنا هربت يا باشا! هربت واستحملت البهدلة والجوع، ونمت في الشارع، ومديت إيدي للناس عشان أقدر أعيش.
استحملت إن ناس تهيني وتبصلي كأني مش بني آدمة، وكل يوم كنت بقول لنفسي بكرة ربنا هيفرجها.” حطت إيديها على وشها، وانفجرت في العياط. “وفي الآخر إيه؟! هرجع لنفس المكان اللي هربت منه! كأني معملتش حاجة، وكأن كل اللي استحملته ده ملوش أي لازمة!
طب كنت هربت ليه من الأول؟ ! كنت فضلت هناك لحد ما أمـ,ـوت وخلاص!” الكلمة الأخيرة خرجت منها مكسورة، لكن وقعها كان أقوى من أي صراخ. سليم فضل واقف مكانه، باصصلها من غير ما يتكلم. كان طول عمره راجل عملي، بيحكم عقله قبل قلبه، ومتعود إن كل قضية ليها أدلة، وكل متهم لازم يتحاسب على اللي عمله.
عمره ما كان بيسمح لمشاعره إنها تتدخل في شغله، ولا كان بيحب يدخل نفسه في مشاكل أكبر من حدود سلطته. لكن البنت دي كانت مختلفة. مش عارف ليه، كل ما يبص في عينيها، يحس إنه قدام إنسانة وصلت لآخر طاقتها، وإنه لو سابها تخرج من باب القسم مع الرجالة اللي مستنيين بره، ممكن يكون بيحكم عليها بالمـ,ـوت بإيده.